U3F1ZWV6ZTg5MDAyODEyNDFfQWN0aXZhdGlvbjEwMDgyNzkwOTY3NA==
recent
أبحرْ معنا

الرواية التفاعلية العربية-إشكالية البناء وأزمة التلقي




الرواية التفاعلية العربية-إشكالية البناء وأزمة التلقي.


  تقديم عينة تجريبية د. حمزة قريرة/
hamza.grira@gmail.com


1تم تقديم مداخلتي في ملتقى القاهرة الدولي 

م



مدخل:
أمام التطوّر الهائل لوسائل الاتصال والبرمجيات، واندثار الحدود الفاصلة بين الحضارات والأمم، عبر الوسيط الإلكتروني -الأنترنت- أصبح العالم بأسره في بوتقة واحدة شماله غير بعيد عن جنوبه وشرقه يكاد ينطبق على غربه، إنه عصر العولمة الإلكترونية بامتياز، وتعد الألفية الثالثة التجسيد الأكثر واقعية لهذا الانفجار الذي لم يعرف حدودا بعد، وذلك على جميع المستويات والمتعلقات والجوانب الإنسانية انطلاقا من السياسية والاقتصادية وصولا للاجتماعية والثقافية، الكل يأخذ من هذا المعين المتجدّد الذي يوصل الجميع ببعضهم في الوقت ذاته وينقل الفكر والخبر والجمال. وفي خضم هذا التطوّر حاولت الأشكال السردية العربية مسايرة الجديد والتفاعل مع المستحدث من البرامج والتواجد الدائم على الشبكة، مستفيدة من تجارب غربية في المجال ومن كل ما تمنحه البرمجيات الحاسوبية في جعلها مسايرة للمتلقي العربي عبر شبكة الأنترنت، وتعد الرواية أكثر هذه الأشكال السردية حضورا وقوة تأثير في المتلقي، بهذا ظهرت مع بدايات الألفية الثالثة أولى المحاولات العربية في مجال الرواية التفاعلية/الرقمية التي تعد عربيا رواية الألفية الثالثة بحق فقد صدرت أولاها سنة 2001 رقميا وهي رواية " ظلال الواحد" لمحمد سناجلة التي تعد أول رواية رقمية في الوطن العربي، وتتالت روايات المبدع بعدها إضافة لتجارب أخرى في مجال السرد عموما ... وأمام التسارع في الإنتاج التفاعلي ظهرت عدة إشكالات في ما يخص الرواية التفاعلية؛ بعضها على مستوى البناء وبعضها على مستوى التلقي العربي الضعيف ورقيا، قبل أن يكون شبه غائب تفاعليا/إلكترونيا، وإشكالات أخرى على مستوى المؤسسة الأدبية العربية فقد ظلت" بعيدة عما يجري من تطوّرات تقنية ومغامرات تكنولوجية إلا في استثناءات قليلة"[1]، وغيرها من العقبات أمام هذا النص الوسائطي الجديد.

 يظهر أن بناء الرواية التفاعلية مرتبط بمتغيّرات على الروائي إدراكها قبل الخوض في الكتابة أولها نوع البرمجيّات التي تتيح له تقديم نصه بكل حمولته اللغوية وغير اللغوية، وإمكانات انفتاحه على المتلقي عبر إشراكه في العملية الإبداعية، كذلك متغيّر التحوّل من الورقي إلى الإلكتروني، فالنص المفرّع نص متعدد الأبعاد في حين أن هيكل النص العادي (الورقي) يكون وحيد البعد[2]،  فطبيعة الكتابة المختلفة تجعل من نظام التصوير يختلف والأخيلة تتبدّل بل جمالية النص ومعاييرها تتبدى بأشكال أخرى غير الورقية المسطّحة والثنائية البعْد، كذلك دخول العلامات غير اللغوية كفاعل رئيس في الرواية التفاعلية يضيف للنص الكثير بل يعد مقوّما مهما كاللغة في بنائها، إضافة إلى هذه الإشكالات على مستوى البناء والتقديم تبرز مشكلة رقمنة الروايات الورقية وإظهارها على أنها تفاعلية، ولكن بالتدقيق نجدها ورقية في الأصل مما يجعلها تحمل خصائص لا يمكن أن تقدّم الكثير على المستوى التفاعلي. أما على مستوى التلقي فالأمر أكثر خطورة فالاستراتيجية النصية التي تنبني عليها الرواية التفاعلية لا تتوافق وأفق توقع المتلقي العربي بل لا تتماشى في الكثير من الأحيان مع الاستراتيجية الذهنية القبْلية التي بناها العربي حول قراءته للرواية، لهذا فالاستعداد الجمالي للتلقي غير موجود مما أدى إلى العزوف عن تتبّع مثل هذه الروايات وانحصارها في دائرة جد ضيقة تحوي الدارسين والمهتمين دون المتلقي العربي الحقيقي، بهذا تبرز بعمق مسألة التلقي العربي للرواية التفاعلية، بل لمختلف الأشكال السردية الأخرى، التي تحاول توطين نفسها في الساحة الروائية/السردية لكن بخطى باهتة المعالم. وسأحاول خلال هذه الدراسة تتبع مختلف متعلقات بناء الرواية التفاعلية/الرقمية مع رصد أزمة التلقي. وأقدّم في الأخير عيّنة تجريبية هي الآن على الأنترنيت ويتم التفاعل معها، وهي رواية " الزنزانة رقم 06"  وهي على الرابط:


2-  الأدب التفاعلي تحوّل في البناء وحساسية في التلقي:

عبر دخول الأدب مجال الرقمية من خلال رقمنة العديد من الإنتاج الورقي، بدأت عملية اقتحام هذا المجال تأخذ أبعادا تجاوزت الرقمنة إلى محاولة إنتاج أدب ينتمي مباشرة إلى العالم الرقمي بناء وتلقّيا، وهو ما نصطلح عليه الأدب التفاعلي، وهنا تكون التفاعلية شرطا أساسا ومهما في عملية تصنيف هذا الإنتاج الأدبي ضمن الأدب التفاعلي[3]، ونتيجة لتشعّبه طفتْ على السطح إشكالات كثيرة مرتبطة بطبيعة البناء وشروطه وكيفيات التلقي والمحك الجمالي لذلك، وتحوّلات كثيرة في مجال بلاغة الكتابة في حد ذاتها، فالوسيط الرقمي يمنح المبدع إمكانات كثيرة في عملية بالبناء تجعله يقدّم نصا مختلفا يحمل عدة وسائط مشاركة جميعا في البناء، وهنا صار لزاما تطوير تقنيات خاصة بالبناء، وهذا لن يكون دون ضبط توجّهات فكرية/فلسفية خاصة بالنص الجديد، فالفلسفة الورقية التي أنتجت نصا ثنائي البعْد تبعتها جماليات خاصة صارت أكثر رسوخا عند المتلقي عبر مرور الزمن، وعبر دخول العصر الرقمي أصبح ضروري تطوير فلسفة أخرى أكثر اختلافا فتتواءم وطبيعة الحامل وإمكاناته التأليفية لتجعل من النص شيئا مختلفا عن الرؤية القديمة ومن ثمة تؤسس لجماليات أخرى تعمل على ترسيخها وتتجاوز الشكل القديم، ومع ما يحمل هذا الطرح من خطورة بالغة في التأثير عن القيم الجمالية وتحويرها، مما قد ينتج تشويها للبعْد الجمالي والأمر لا زال تجريبيا، نقوم بالسيْر في هذا المجال بخطى حذرة كي لا يحدث انزلاقا وتفسّخا للقيم المحمولة في تراثنا الأدبي، فعبر دخولها للمجال الرقمي إنتاجا، قد يحدث انحرافا في تلقيها تبعا للانحراف في بنائها.

قبل الغوص في مجال الأدب التفاعلي نصا وتلقيا، أشير إلى ضرورة تجاوز أزمة المصطلح بين الرقمية والتفاعلية والإلكترونية، وتحديده في التفاعلية لتحقيقه أهم شروط الأدب التفاعلي، وسأقدّم خلال الدراسة بعض خصائص هذا النص. والتجاوز جاء لضرورة التركيز على الجوانب التطبيقية والدخول الفعلي في مجال الممارسة الأدبية التفاعلية. حيث "يشهد الأدب ومختلف أشكال التعبير شكلا جديدا من التجلي الرمزي، باعتماد تقنيات التكنولوجيا الحديثة والوسائط الإلكترونية"[4] مما ولّد شكلا أدبيا جديدا ومختلفا عما كان سائدا إنه الأدب التفاعلي الذي يعد في شكله العام؛ الأدب المنتج والموجّه عبر الوسيط الإلكتروني، مستفيدا من مختلف الصياغات التي ظهرت في النص الشبكي والمفرّع بنسقيه السلبي والإيجابي الذي يمنح المتلقي فرصة المشاركة في بناء النص[5]، عبر هذا المفهوم يتضح وجود مستويين أو جانبين أحدهما متعلّق بالجانب الأدبي والآخر بالوسيط الإلكتروني وما يحمل من إمكانات ووسائط متعددة، وهنا يصبح الأدب مختلفا من حيث إمكانات البناء واختيارات المبدع، وعبر ذلك يدخل الأدب مرحلة متقدّمة ذات خصائص أخرى تختلف عن مرحلة الورقية ذات البعْد الثنائي، ففي هذه المرحلة نكون في البعْد الرابع في البناء فبَعْد الطول والعرض يأتي العمق/الارتفاع ثم الزمن، وعبر هذه الآليات المتطورة في الإنتاج النصي/الخطابي يتأسس أدب تفاعلي مختلف بناء وتلقيا، حيث يمنح بإمكاناته الرقمية الفرصة للمتلقي أن يضيف للنص الأصل ويعدّل بشكل يجعله منتجا آخر للنص، وعليه أصبح الأدب التفاعلي أدبا تشاركيا بامتياز، مما يعزّز التفاعلية التي تعد  فيه خاصية تواصلية للعلاقة بين البرنامج والمتلقي حيث تمكّن الأخير من التأثير في تركيب العلامات المقترحة للقراءة، فالتفاعلية هنا خاصة بالعمل الأدبي وليست للبرنامج وحده[6]، وهنا نكون بصدد عصر مختلف في مجال الإبداع الأدبي والفني بشكل عام حيث يطرح معايير مختلفة وفق فلسفة أخرى تتماشي مع العالم الرقمي والافتراضي الذي نعيشه، إنه أدب خاص  يمتاز بضوابط وشروط أهمها؛ أن يحرر مبدعه من الصورة النمطية التقليدية في التأليف، وتقديم عناصر النص وفق تلك العلاقات، كما أنه يعترف بدور المتلقي المحوري في بناء النص. [7] فلم يعد المتلقي سلبي في العملية التواصلية مع النص بل أصبح أكثر إيجابية عبر تدخّله المباشر في عملية الإنتاج من خلال وصلات خاصة يتركها المنتج الأول (صاحب النواة النصية) وهنا تبرز معضلات في مستويات مختلفة كما سنرى، بعضها مرتبط بالملكية الفكرية وأخرى باختلاف الأسلوب ومستوياته بين الكتاب وثالثة بالقيم الجمالية التي يحدث له تشتتا بين الكتاب المتعددين، إضافة للعملية النقدية وكيفيات تأسّسها على التعدد الإنتاجي والقرائي، وغيرها من الإشكالات التي ترافق هذا النص من فكرته الأولى إلى إعادة إنتاجه بعد تلقي نواته. ولعل أبرز أسباب هذه الإشكالات تعدد أدوات البناء وتنوعها فالعمل الأدبي في مجال التفاعلي/الرقمي يتكون من مكوّنات مختلفة بداية بالجهاز والبرامج والعمل وهي أطراف تحدث عبرها العملية التواصلية وبين كل الأطراف الفاعلين من كاتب وقارئ ومشاركين مختلفين[8]، وكل هذه المكونات تطرح أمام مبدع النواة الأولى خيارات كثيرة تجعل عملية البناء معقّدة وتحتاج إلى رؤية فنية عالية تستمد أسسها من مشارب معرفية وفنية مختلفة، بعضها أدبي (لغوي) وبعضها غير لغوي (رسم-موسيقى- إخراج...) ويتم دمجها جميعا في النص المفرّع الذي يصبح أكثر خصوصية في هذا المستوى ويمكن أن نطلق عليه حسب –حسام الخطيب- النص المرفّل وهو الذي اغتنى بالوسائل السمعية والبصرية والحركية وسواها[9]. وبعد عملية الإنتاج الأولى تأتي مرحلة الطرح على الشبكة ومنها تلقيها وإعادة إنتاجها، وهنا نكون أمام متلق مختلف فهو إيجابي ولا يكتفي بتفكيك شفرة النص/الخطاب المتعدد الذي يتلقاه بل يضيف عليه ويغير في مساراته وفقا لتصورات فنية خاصة به حسب مرجعياته وقدراته، وهنا يصبح العمل الأدبي نوعا من الفسيفساء تتداخل فيه خبرات فنية كثيرة ولا يكتفي بوجه واحد للعرض أو التلقي. وقد حاول المبدعون العربي مستفيدين من التجارب الغربية وموظفين خبراتهم الفنية أن يقدّموا أعمالا مختلفة   تفاعلية/رقمية (أغلبها اعتمدت النص المفرع بنمطه السلبي) حيث أبدعوا في مختلف الأجناس فنجد الشعر التفاعلي (القصيدة التفاعلية) حيث تعد شكلا من أشكال إبداع الشعر في عصر الأنفوميديا عصر المعلوماتية، عصر الثقافة التكنولوجية[10]، ومن رواد هذا الجنس التفاعلي مشتاق عباس معن الذي أبدع في وقت مبكّر بأنماط مختلفة ومبتكرة، بداية بتباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق وصولا إلى لا متناهيات الجدار الناري. كما نجد محاولات كثيرة في هذا المجال خصوصا ما تعلّق بالقصيدة الرقمية (الفيديو) مثل قصائد منعم الأزرق. إضافة للشعر نجد المسرح التفاعلي الذي يعد حسب الناقدة البريكي "نمطا جديدا من الكتابة الأدبية، يتجاوز الفهم التقليدي لفعل الإبداع الأدبي الذي يتمحور حول المبدع الواحد، إذ يشترك في تقديمه عدّة كتاب، كما قد يدعى المتلقي/المستخدم أيضا للمشاركة فيه، وهو مثال للعمل الجماعي المنتج، الذي يتخطى حدود الفردية وينفتح على آفاق الجماعية الرحبة"[11]، أما على مستوى الممارسة العربية فيعد الأندر حيث لا نعثر على تجارب تشكّل رؤية مسرحية تفاعلية عربية باستثناء محاولة أولى في مقهى بغداد مع محمد حسين حبيب وحازم كمال الدين. مع المسرح نرصد كذلك الرواية التفاعلية (السرد التفاعلي) وهي ما سأركّز عليه دون غيره خلال هذه الدراسة.

3-  الرواية التفاعلية مفاهيم وتجارب:

تدخل الرواية التفاعلية في مجال السرد التفاعلي الذي يشمل عدة أنماط سردية كالقصة مثلا، والرواية التفاعلية بذلك نمط سردي تفاعلي أكثر تشعبا وطولا، حيث واكبت كغيرها من الأجناس التفاعلية التطوّر التكنولوجي واستثمرت كل الإمكانات المتاحة من البرمجيات والوسائط المتعدّدة لتقديم متنها، لمتلقي عربي متوجّس. فقد غيّرت من آليات بنائها وأضافت الكثير إلى مساراتها وتقنياتها، فمثلا نجدها غيّرت في مفهوميْ الزمن والمكان، وقد اقترح محمد سناجلة -وهو رائد هذا الجنس الأدبي في الوطن العربي - مفهوم رواية الواقعية الرقمية ووضع تصورا خاصا بهذا الجنس عبر مختلف مقوّماته خصوصا الزمن والمكان، ويظهر ذلك في كتابه رواية الواقعية الرقمية[12]. أما عن مقوّماتها فهي متعددة وكثيرة ومختلفة من حيث الطبيعة والمصدر، فتتخطى البعْد اللغوي كما هو معهود في الرواية الورقية، ففي لغة رواية الواقعية الرقمية مثلا الكلمة هي جزء من كل حيث تتشابك مع مختلف العلامات غير اللغوية الأخرى كالصور والصوت والمشهد السينيمائي.. [13]، وجاءت هذه الأهمية لتحميل نصها أبعادا دلالية إضافية ناجمة عن البناء المختلف، كما تظهر الوسائط المتعددة باعتبارها جزءا من البناء وليست مجرّد تزيين وإضافة شكلية لنص الرواية بهذا فالوسائط التكنولوجية المتعددة تصبح مكونا وظيفيا في الأدب الرقمي لكونها تصنع بنائية النص[14]، وعليه يستحيل إعادة نشر الرواية التفاعلية ورقيا إلا في حدود تقديمها للدراسة، لأنها تفقد كل شيء في بنائها وجماليتها التي لا تظهر إلا من خلال الشاشة والترابط الذي تقيمه بين أجزائها ومنحها فرصة للمتلقي للإضافة أو الإبحار الحر في متاهاتها، وعليه فالمقوّمات الروائية على متن الرواية التفاعلية مختلفة الطبيعة ويحتاج المتلقي إلى دراية وأدوات قرائية تمكّنه من التفاعل الإيجابي معها. وعبر هذه الإمكانات استمدت الرواية التفاعلية مكانتها الإنتاجية عبر طرحها وتمكينها للمتلقي من المشاركة، وهي بذلك شكل روائي جديد كلية " يقوم فيه المؤلف بتوظيف الخصائص التي تتيحها تقنية (النص المفرّع) والتي تسمح بالربط بين النصوص سواء أكانت نصا كتابيا، أم صورا ثابتة أو متحرّكة، أم أصواتا حية....باستخدام وصلات تكون دائما باللون الأزرق، وتقود إلى ما يمكن اعتباره هامشا على متن"[15]، بهذا يظهر أن الرواية التفاعلية تعتمد بالأساس على تقنية النص المفرع (المرفّل) مما يمنح المتلقي إمكانات الانتقال الحر بين مفاصلها كما تمكّنه تقنيات حاسوبية أخرى من الإضافة والتعديل حيث تعد من سمات النص الرقمي إعادة الصياغة والتعديل في الأدوار النصية[16] وهو ما سنتابعه في العينة التجريبية.

على مستوى الإبداع نجد أن الرواية التفاعلية ظهرت عند الغرب في أعمال مختلفة وظفت التقنيات الحاسوبية/البرمجية في تقديم بنائها المختلف ومن التجارب المبكّرة نذكر "قصة بعد الظهيرة " لميشيل جويس سنة 1986 وقد استخدم في بنائها وعرضها برنامج "storyspace" /"المسرد"، كما نعثر على الكثير من الأعمال الروائية من ذات الشكل، كرواية "شروق شمس 69" لروبرت أرلانو (بوبي رابيد)، وأحداثها تعود لقصة حقيقية حدثت سنة 1969. لما توفي أربعة أشخاص بشكل غامض في حفل موسيقي، وبعد مرور ثلاثين سنة تظل الحادثة تشير بشكل رمزي إلى نهاية مرحلة الستينيات، محاكمة مخازي العصر وواصلة بين الماضي والحاضر[17]، وقد وظف رواد الرواية التفاعلية تقنيات برمجية كثيرة مستثمرين أهم ما وصلت له البرمجيات الحاسوبية لترجمة أفكارهم الروائية ومنحهم فرصة أكبر للمتلقي كي يكون مشاركا في صناعة الرواية ليُصبح متلقيا إيجابيا ومنتجا. ولازالت البرمجيات في تطوّر مستمر، حيث أصبحت اليوم على الفضاء الحر للأنترنيت مما يتيح لها التفاعل اللحظي كما يمكّن المبدعين من كسر جميع الحدود المادية سواء الجغرافية أو اللغوية أو الطبقية..

على المستوى العربي نجد من التجارب الأولى في هذا المجال تجربة محمد سناجلة وذلك بداية الألفية الثالثة حيث استخدم جملة من البرامج ولغات البرمجة في صياغة رواياته، فكانت روايته الأولى، ظلال الواحد.. التي نُشرت عام 2001م، وقد نشرها الكاتب ورقيا أيضا، أما نسختها الرقمية فقد وظف فيها طريقة الروابط التشعّبية وبناها بطريقة بناء صفحات الويب[18]، ثم قدّم رواية شات (صدرت في 2005) وهي رواية لافتة حيث وظف الصورة-الصوت، الألوان، الكلمة.. وعبر العلامات غير اللغوية جاءت الرواية بشكل مختلف في تأسيسها البنائي وطرحها الجمالي، كذلك من رواياته نجد صقيع (عام2006م) وهي العمل الثالث الرقمي، وقد قدمها الكاتب باعتبارها "قصة قصيرة".  ومن أعماله أيضا -ظلال العاشق-(التاريخ السري لكموش)، وغيرها من الأعمال والملاحظ أن الروائي يُطوّر تجربته في العمل على مستوى النص والبرمجة ودرجة التفاعل. والملاحظ في التجارب العربية القلة وذلك لعدة أسباب أهمها ضعف تكوين الروائيين في المجال الرقمي كذلك عزوف المتلقي العربي عن تقبّل هذا النوع من الروايات، لعدم تعوّده على هذا الشكل من النصوص الروائية، وهنا يعد رهان الروائي العربي في مجال التفاعل هو الانتقال الحقيقي إلى فهم جديد للعملية التفاعلية في جميع مستوياتها[19]، وهو ما يطرح مسألة فلسفة البناء التفاعلي للرواية والرهانات الجمالية إبداعا وتلقيا، فالروائي العربي يجب أن يفهم الأبعاد التفاعلية التي تمكّنه من تجاوز الورقية، وعلى المتلقي في المقابل الانصهار في العملية وتقبّل المنتج الجديد والتفاعل معه وتطوير أدوات قرائية جديدة مما يولّد جمالية مختلفة تتطوّر بتطوّر النص، فالمسألة بهذا متشابكة وكل الأطراف له وظيفة في تطوير هذا النص وتمكينه في العصر الرقمي الأكثر تشعّبا. فالرواية التفاعلية بذلك أصبحت تحديا بالنسبة لمنتجي الأنوية الروائية والمتلقين/المنتجين فكلاهما مطالب بتطوير مهاراته وتقنياته في عملية البناء وعملية التلقي وإعادة البناء، لتبرز بعد ذلك قضية أخرى أعقد وأكثر تشعّبا وهي نقد هذا الإنتاج الروائي التفاعلي، فأي الاتجاهات النقدية أكثر قربا من روح هذا الأدب، وهل يجب تأسيس نقد تفاعلي خالص نابع من فلسفة تفاعلية أم نقارب هذا النص بأدوات من مناهج مختلفة كانت موجهة للأدب الورقي، وأي قواعد إبستومولوجية تسمح لنا بذلك؟. أسئلة كثيرة تصادفنا في كل مرحلة في عملية إنتاج وتلقي النص التفاعلي بما فيه الرواية التفاعلية، هذا يضاف إلى إشكالات المصطلح وتصنيف الرواية التفاعلية والرقمية والمرقمنة وغيرها من التصنيفات التابعة أساسا لطبيعة الممارسة الإبداعية ذاتها، مما يجعل مفهومها فضفاضا ومتداخلا وبالغ الحساسية من حيث التصنيف، فما نودّ الوصول إليه عبر الممارسة الإبداعية هي الرواية التفاعلية من النمط الإيجابي، حيث يتم عبرها اتحاد الأدبي بالرقمي وتعدد الوسائط، كما تمنح المتلقي مساحات وخيارات كثيرة للقراءة والمشاركة في إنتاج النص أو تعديل مساراته، إضافة إلى تقديمها جماليات مختلفة تعتمد على تقنيات تصويرية تتلاءم والعالم الرقمي، وعبر هذا المفهوم نكون أمام مقومات غاية في التعقيد والتداخل من حيث طبيعتها وتشاركها في تقديم نص الرواية، فيما يلي نقدّم أهم هذه المقوّمات في المخطط التالي:





من خلال المخطط يظهر أن الرواية التفاعلية تقوم على أربع ركائز مما يمنحها إمكانات بنائية كبيرة تجعل من مبناها مختلفا ويقدّم تعددا قرائيا، فهي تنطلق من النص اللغوي وهو الجانب الذي لا يختلف عن النمط الورقي من حيث الشكل (يختلف فقط من حيث عدم اكتمال الفقرات السردية في مواقع مخصصة لتمنح فرصة للمتلقي للزيادة والتعديل) كما نشير أن النص اللغوي ليس ركيزة العمل ولا نواته الأولى بل هو جانب منه فقط، فلا يعدو كونه مفتاح الولوج للرواية التفاعلية، إضافة للجانب اللغوي نجد الجانب غير اللغوي وهو متعلق بالوسائط المتعددة من صوت وصور وحركة، وهذا الجانب يدخل مع الجانب اللغوي في تشاكل معيّن ويعد خيارا اخراجيا خاصا بصاحب النواة وبعده المتلقي الذي يعيد الترتيب أو الإضافة، وتتم عملية الدمج بين الجانب اللغوي وغير اللغوي عبر المستوى البرمجي الذي يُعد الأكثر تعقيدا في عملية الإنتاج النصي التفاعلي لكونه يعتمد على لغات برمجية ومختلفة، والخيارات فيه متعددة، فقد يعتمد المبدع على برامج جاهزة أو يبتكر برنامجه الخاص به وذلك ليناسب طرحه النصي، ومن أهم اللغات المستخدمة نجد لغة " html" وبعد عملية الدمج التي تتم داخل الوسيط وهو جهاز الحاسوب القابل لقراءة البرمجيات، يتم طرح الشكل الإجمالي بروابطه عبر الإنترنيت (أو أقراص) مما يمنح المتلقي قراءة تفاعلية إيجابية، وهنا يظهر أن النص فارق حدوده القديمة فقد صار نصا علائقيا بواسطة الأنترنيت[20]، ليبرز الجانب التفاعلي الذي يعد محصّلة ونتاج لمختلف الجوانب الأخرى، وعليه تتداخل مختلف المقوّمات ولا يمكن لأحدها أن يقوم لوحده، سواء في الإنتاج أو في التلقي، ويضاف إلى هذا بعض البرمجيات الخاصة بالتحرير وإخراج الصوت والحركة وغيرها من البرمجيات التي لا غنى عنها في عملية إنتاج الرواية التفاعلية.

4-  إنتاج/تلقي الرواية التفاعلية:

من خلال ملاحظة العملية التواصلية التي تحدث بين منتج نواة الرواية والمتلقي الذي يصبح منتجا آخر لذات الرواية التي تتوسطهما وتعد رسالة موجّهة مما يضعنا أمام هذه الأطراف الثلاثة في مواجهة الخطاطة الثلاثية لدورة الخطاب حيث تتحقق أهم وظائف اللغة وهي الوظيفة  الشعرية والجمالية، ويمكن تحديد أهم عناصر هذه الدورة انطلاقا من صورتها العامة كما وضعها "رومان جاكوبسونR.JAKOBSON-" التي رسّمها لتمثيل دورة التخاطب[21]، حيث اُعتبر نموذجه فعّالا في تحليل النصوص على اختلافها[22]،  وعبر إسقاط الخطاطة بشكلها النصي على الرواية التفاعلية نكون أمام تحول في العلاقات حيث يتم تحويل المرسل إلى مرسل إليه وبالعكس، بل يتم عكس حدود النص وقلب موازينه، بهذا فنحن أمام تحوير وتشذير للخطاطة مما يمنحنا كل الإمكانات والاحتمالات لكل عنصر منها ويمكننا تقديم مخطط يوضّح تحول العلاقات كالتالي:



من خلال ما تقدّم يظهر عدم وجود حدود فاصلة بين المنتج والمتلقي فالعملية دائرية ثم تنتقل عموديا وشبكيا لبقية المتلقين، فيكفي إنتاج نواة رواية من طرف مبدع ما، وطرحها عبر برمجيات خاصة على الشبكة حتى تنتقل إلى التلقي وإعادة الإنتاج إضافة وتحويرا، وتستمر العملية في التوالد منتجة فضاءات نصية كثيرة عبر مشارب مختلفة. وهذا يُظهر أنه لا وجود لصاحب النص النهائي كما في النصوص الورقية، فالملكية ملغاة في الرواية التفاعلية، الروائي يقدّم نواة نص ويطلقها في الفضاء الأزرق ويبدأ المتلقي في التفاعل وإعادة الإنتاج بالإضافة أو تغيير وجهات النص، أو الدخول إليه من وصلات مختلفة –تفاعل سلبي- ليصبح المتلقي منتجا آخرا للنص كما يتحوّل صاحب النواة الأولى إلى متلق، إضافة إلى هذا يتأثر النص الروائي في هذه الحالة ويفقد هويته أمام تعدد الكتاب، -وهنا تركيزنا على الرواية التفاعلية بنمطها الإيجابي وهي نادرة الوجود عمليا في الساحة العربية- وهذا يؤثر في عملية البناء كما يؤثر في حدود التقي والجمالية، فالتعدد يؤسس لجمالية مختلفة تجعلنا أمام نص آخر لا على مثال سابق جاء من أنساق مختلفة ومرجعيات كثيرة، مما يجعله أكثر تشظيا في العالم الرقمي.

 لكن تجدر الإشارة إلى أنه على مستوى الممارسة الفلية العربية ظلت الرواية أقل حضورا بشكلها التفاعلي الإيجابي النقي، إنما نعثر على تشكيلات أقل تفاعلية، فأحيانا نجدها مرقمنة وأحيانا نعثر على محاولات تفاعلية بإضافة بعض العلامات غير اللغوية للنص الورقي وغيرها من التشكيلات، ومن جهة أخرى نعثر على اختلاف بين المنتجين ورؤاهم للرواية التفاعلية عموما مما يؤثر على نصها، إضافة لاختلاف المتلقين ومستوياتهم مما يجعلهم يقرؤون النص الروائي التفاعلي بناء على مرجعيات مختلفة –أغلبها ورقي تقليدي- مما يؤثر في جمالية تلقيهم لهذا النص، وعليه نحن أمام تفريعات كثير وإمكانات متعددة للمشهد الروائي التفاعلي إنتاجا ونصا وتلقيا ويمكن حصر مختلف هذه الإمكانات في مسارات محددة كالتالي:

1-              على مستوى صاحب النواة (المنتج الأول/المرسل):

يمكن أن نميّز بين ثلاثة أشكال من المنتجين للنص الروائي في صيغته الرقمية وتختلف مستوياتهم حسب درجة التفاعلية وقدرة نصهم على تمثّلها وهم:

1-1-                  المنتج الورقي: وهو من يحوّل نصه الروائي من الورقي إلى الرقمي عن طريق تصويره أو طرحه كما هو عبر الشبكة، فلا يختلف نصه بين الحالتين، ولا يكون هدفه في الأصل إلا أن يقدّم نصه بوسيط آخر، فلا قيم جمالية إضافية للنص.

1-2-                المنتج الورقي بثوب تفاعلي: في هذه الحالة يقدّم صاحب النواة الأولى نصه الورقي عبر الوسيط الرقمي لكن بإضافة عدد من العلامات غير اللغوية والوسائط المتعددة كي يزيد من عمق دلالة نصه وتأثيره، فهو في هذه الحالة يعي أنه يقدّم عبر وسيط مختلف لكنه لا يمنح إمكانات تفاعلية ويبقى التلقي سلبيا في اتجاه واحد، وأغلب الروائيين في العالم العربي من هذا الشكل، فنصوصهم التفاعلية رغم إمكاناتها في طرح تعدد قرائي وتشعّب مساراتها إلا أنها تظل من النسق السلبي الذي لا يمنح المتلقي فرصة امتلاك جوانب من الرواية بالإضافة أو تحوير مسارها كما نجد ذلك في الرواية التفاعلية الغربية.
  1-3- المنتج التفاعلي:

في هذا المستوى يصبح المنتج تفاعلي تماما فهو يقدّم نصه مباشرة على الجهاز عبر الشبكة دون الحاجة للوسيط الورقي، فيأتي النص بقيم جمالية وبنائية مختلفة تماما، ويتم تلقيها على أنها بداية فقط، حيث سرعان ما يبدأ التفاعل الإيجابي في الاتجاه المعاكس ويصبح المنتج متلقيا.

2-              على مستوى النص الروائي التفاعلي:

نميّز بين شكلين من النصوص الروائية المعروضة عبر الوسيط الإلكتروني مختلفين في الطبيعة البنائية والهدف والجمالية ومدى التفاعل وهما:

2-1- النص الروائي المرقمن: وهو رواية ورقية يتم تصويرها أو نقلها بطرق مختلفة إلى الصيغة الرقمية (مثلا نجدها بصيغة pdf) وتبقى محافظة على شكلها الورقي ثنائي البعد (d2) مما يجعلها لا تختلف في تلقيها وبعْدها الجمالي عن الرواية الورقية، ونجد هذا النص مرتبط أساسا بالمنتج الورقي أو المنتج الورقي بثوب تفاعلي، ولا نكاد نعثر عليه مع المنتج التفاعلي.

2-2- النص الروائي التفاعلي: في هذه الحالة تكون الرواية تفاعلية بامتياز فهي متخلصة من بعْدها الثنائي وتتشكل في هيئات مختلفة فتصل البعد الثالث (d3) العمق ثم البعد الرابع (d4) عبر إضافة الزمن فالرواية التفاعلية توظف اللغة على مساحات مسطحة وتضيف الصور والصوت ومختلف العلامات غير اللغوية مما يجعل الرواية تتمتع بالبعد الثالث وهو العمق أو الارتفاع ثم يمضي النص في الزمن متوالدا منتجا في حركية غير نهائية مما يجعله يتمتع بتحولات عبر الزمن، وهو ما يُدخله في البعد الرابع، فيتحوّل كالبنية ويعيد تشكيل ذاته كل مرة وفق تصوّر منتج جديد، وعبر هذه العملية يكون النص الروائي التفاعلي غير قار على شكل وتصور معيّن إنه هلامي الشكل مضطرب الحضور حسب المتلقي/المنتج الجديد ونجد هذا النص مع المنتج التفاعلي أو الورقي بحلة تفاعلية أي أنه على مستويين من شدة التفاعل فنجده أحيانا بسيطا غير بعيد عن الشكل الورقي لأنه في الأصل ورقي وحوّله صاحبه إلى تفاعلي عبر إضافات مختلفة، أما الشكل التفاعلي الفعلي فهو ما يتم إنتاجه من منطلقات جمالية تفاعلية(رقمية) أي يتم انتاجه من داخل العالم الافتراضي، فتكون جماليته مختلفة من البداية نصا وعلامات غير لغوية، فهو يندرج في بنائه تحت النص المفرّع/المتشعّب  حيث "يستغل النص المتشعب كل الإمكانات والبرامج التي يوفرها الحاسوب والشبكة الإنترنت، وهي إمكانات تخضع للتطور المستمر"[23]، لينتج نصا مختلفا في البناء تتشابك فيه أجناس وفنون كثيرة، بهذا تظهر الرواية التفاعلية كوسط جامع للفنون مما يزيدها أبعادا دلالية، كما يمنح هذا النص من البداية صكّ ملكية لكلّ من يقرأه لأول مرة فهو لا يحتكر المعنى إنما يفتح أفقه أمام المتلقي ليُشكّله كما يشاء وفق طبقات مختلفة تتحكّم فيها مرجعيات المتلقي من جهة والطبيعة البنائية للرواية التفاعلية من جهة أخرى.

3-              على مستوى المتلقي (الذي يتحول إلى منتج):

   يمكننا التمييز بين ثلاثة أشكال من المتلقين للرواية التفاعلية:

3-1- المتلقي الورقي: وهو متلق لم يتخلّص من وطأة الورقية فيعامل النصوص الرقمية معاملة الورقية مهما كان شكلها الرقمي فهو يقرأها في بعدها الثنائي ويتعامل مع لغتها على البياض فقط دون النظر لمختلف العلامات غير اللغوية والوسائط المتعددة التي تدخل في تكوينها، بل يعتبرها مضرة بالنص ومفسدة لجماليته، ففي نظره الجمالية الروائية تتوقف عند حدود النص اللغوي ولا يمكن تقديم الأحداث ومقوّمات الرواية إلا انطلاقا من اللغة، فيتلقى هذا الشكل من المتلقين الرواية التفاعلية بشكليها بتصوّره المبني على البعد الثنائي للنص، فحكمه سلفا عن جماليتها ولا يختلف عنده الأمر في أنه يطالع كتابا، لهذا نجد أحكام هؤلاء المتلقين على بعض النصوص التفاعلية بالسلبية بل ينفون عنها صفة الرواية لأنهم لا يتلقون غير اللغة على سطح أبيض، ولم يتجاوزوها لغيرها وهم بذلك يتلقون جزءا بسيط من النص الروائي التفاعلي الذي لا يقوم إلا بتظافر كل مكوناته فيصبح النص في نظرهم ناقصا وقاصرا.. وانطلاق هذا القارئ من كون النص ملكا لصاحبه وهو مسؤول عنه وما على المتلقي إلا أن يقرأ ويتذوق هو ما جعله يرفض تلقي الرواية التفاعلية في حدودها الرقمية وبكل وسائطها المتعددة.

3-2- المتلقي الورقي بثوب تفاعلي: هذا النوع من المتلقين أيضا يحمل النظرة الورقية للنص التفاعلي إلا أنه يضيف في تذوقه ما تقدمه العلامات غير اللغوية والوسائط للنص ويعتبرها خلفية تشحن النص لكنه يظل متلقيا سلبيا لأنه لا يضيف شيئا للنص لأنه يعتبره مازال ملكا لصاحبه، وهو يخاف التدخل بل لا يملك الجرأة على فعل ذلك سواء أكان النص مرقمنا أو تفاعليا، لأنه في عمقه مازال قارئا ورقيا بامتياز. وإن تدخّل سيكون في حدود ضيقة جدا، كالتعليق أو القراءة من عقد نصية مختلفة.

3-3- المتلقي التفاعلي: وهو النوع الأكثر تطوّرا حيث يتعامل هذا المتلقي مع الرواية التفاعلية على أنه مالك مؤقت لها، وهي مطروحة في الشبكة بلا مالك فيسطوا على أسطرها ووصلاتها ويضيف أو يعدل ما يشاء وكأنه صاحب الرواية، وهنا يمتاز القارئ التفاعلي بأنه أكثر جرأة فشعوره بالمشاركة في النص قوي من البداية وفي العادة يكون دوره بارزا في النصوص الروائية التفاعلية الحقيقية، التي تدخل ضمن تصنيف النسق المفتوح أو التفاعلي في النص المفرّع (التكويني) الذي يسمح بالتعديل [24]، مما يجعلها في أرقى صورها الإيجابية التي تمنح المتلقي إمكانات المشاركة لكن دوره يتراجع من النسق السلبي المغلق، ولكن ذلك لا يمنعه من كسر القيود والتدخل ولو من محيط النص، فالتفاعلية تقضي المشاركة والحركية في إضافة الجديد للنص وعدم السكون أثناء التلقي وهنا تبرز جمالية مختلفة في تلقي النص التفاعلي، كما تظهر إمكانات هائلة عند هذا النوع من القراء الذي يكون مسلحا بتقنيات قرائية متعددة لغوية وفنية وموسيقية وإخراجية.. وغيرها من الفنون، فالنص الذي سيتذوق جماليته يحمل مقوّمات مختلفة وكي يتذوقه بالشكل الصحيح يجب أن يعرف ويدرك جمالية مختلف هذه الفنون لأنه يتلقى النص دفعة واحدة وعليه قراءته في ظل تعدد طبيعة مكوناته، وهنا مَكْمن الصعوبة في الرواية التفاعلية، وهو ما يطرح إشكالات حول العملية النقدية التفاعلية برمّتها، فكيف يمكننا قراءة هذا النص المختلف وبأي المناهج نستطيع مقاربته، لتبرز لنا معضلات أخرى بين السياقية والنسقية والقرائية في المقاربة، فكل الاتجاهات تصب في هذا النص لأنه شبكة ومركز تتبادل فيه الأدوار فالمنتج متلق والمتلقي منتج والنص غير كامل فكيف يمكن المقاربة في ظل هذه التحولات والاختلالات في العملية. وهو ما قد يدفعنا إلى تقديم منهج تفاعلي أكثر تطورا يجمع بين الكثير من المناهج وينطلق من فلسفة خاصة بهذا الأدب تفهم عمقه وتحوّله في العالم الرقمي وكيف يناقش الواقع من خلال العالم الافتراضي.

عبر الربط بين المستويات الثلاثة (المنتج-الرواية /النص-القارئ) نصل إلى شبكة من العلاقات المتداخلة بين هذه المستويات يمكن تمثيلها بالمخطط التالي:



عبر الخطاطة يمكننا استخراج عدد كبير من القراء حسب الحالة ويصل عددهم إلى 13 قارئا وذلك بقياس كل الاحتمالات القرائية لنص الرواية فبعد الانطلاق من آخر الخطاطة نحو الأمام نتقصى مختلف تجليات القارئ حسب مسارات متعددة ويكون ذلك كالتالي:

1-               القارئ الورقي لنص مرقمن (الرواية المرقمنة) ومنتجه ورقي.

2-               القارئ الورقي لنص مرقمن ومنتجه ورقي بثوب تفاعلي.

3-               القارئ الورقي لنص مرقمن ومنتجه تفاعلي.

4-               القارئ الورقي بثوب تفاعلي لنص مرقمن (الرواية المرقمنة) ومنتجه ورقي.

5-               القارئ الورقي بثوب تفاعلي لنص مرقمن ومنتجه ورقي بثوب تفاعلي.

6-               القارئ الورقي بثوب تفاعلي لنص مرقمن ومنتجه تفاعلي.

7-               القارئ التفاعلي لنص مرقمن ومنتجه ورقي.

8-               القارئ التفاعلي لنص مرقمن ومنتجه ورقي بثوب تفاعلي.

9-               القارئ التفاعلي لنص مرقمن ومنتجه تفاعلي.

10-           القارئ الورقي بثوب تفاعلي لنص تفاعلي ومنتجه ورقي بثوب تفاعلي

11-           القارئ الورقي بثوب تفاعلي لنص تفاعلي ومنتجه تفاعلي.

12-           القارئ التفاعلي لنص تفاعلي ومنتجه ورقي بثوب تفاعلي.

13-           القارئ التفاعلي لنص تفاعلي ومنتجه تفاعلي.

ويأتي القارئ الأخير 13 هو النموذجي والمطلوب في عملية التفاعل الإيجابية فهو قارئ منتج للنص يحدث معه ارتداد للنص بعد استقباله ليصبح منتجا أيضا وتقلب العملية وتستمر في التوالد والبناء المستمر مع حركية النص وتعدد القراء، فتصبح العملية شبكية ويستمر النص في التوالد والزيادة والانحرافات البنائية التي تجعله جديدا في كل لحظة، فقد انفصل عن الثبات الزمني والمكاني، وهنا تبرز فلسفة الرواية التفاعلية فهي تنفي الزمنية والاستقرار لأنها متحولة كما التجربة في العالم الرقمي الذي لا يعرف التوقف، ولعل هذا ما دفع رائد الرواية الواقعية الرقمية –محمد سناجلة -إلى طرح مسألة الانعتاق من الزمن في الرواية التفاعلية حيث يتساوى الزمن بالسرعة مع انعدام المكان، مما يجعل الرواية الرقمية/التفاعلية تجنح إلى اللانهائية كما وضّح محمد سناجلة بمعادلاته الرياضية،[25] فالرواية التفاعلية/الرقمية تجنح إلى الخيال المعرفي كما وضّح مما يجعلها منفتحة بشكل مستمر، لتؤسس لعالم مختلف من حيث البناء والخيارات الجمالية، وهو ما يؤثر على عملية التلقي، حيث يمكن للمتلقي الحصول على معاني كثيرة كلما غاص عموديا في الرواية وفك شفراتها المختلفة، وهنا مكمن التميز في الرواية التفاعلية والاختلاف عن الثبات النصي في الورقي، فالتحول في التفاعلي حقيقي مادي ملموس وفعلي لأن النص لا يستقر ولا يثبت لأنه غير كامل، لا لأنه ناقص لكن لأنه تعبير عن تجربة من وجه واحد؛ فكمالها في جزئيتها ومشاركتها للآخر وهنا طرح مختلف تماما للعملية الإبداعية فالرواية التفاعلية كمالها في مشاركتها مع الآخر، إنها نص يتشكّل ويحاول أن يكون كالعالم والمعنى بشكل عام فلا ثبات واستقرار كل شيء في طور التشكّل ولا أحد يملك صلاحية تقديم الكمال الدلالي.

5-  عرض عيّنة تجريبية في بناء رواية تفاعلية عربية:

من خلال تجربتي الخاصة في الكتابة التفاعلية عموما والروائية بوجه خاص، حاولت طرح تصوّر خاص بالكتابة التفاعلية قد يختلف عن بعض الاطروحات الموجودة على الساحة، فانطلاقتي في الكتابة من فلسفة تفاعلية إيجابية تعتمد على النص المفرّع (المرفّل) من النمط الإيجابي حيث أطرح أنوية نصية غير مكتملة (جزئيا) ويقوم المتلقي بالتفاعل والإضافة والتعديل في مسارات النص، وأهم ما اعتمدته في عملية بناء النص أنه تم بناؤه مباشرة عبر الجهاز ووفق برمجيات خاصة لأتجنّب الرقمنة وفلسفة الإنتاج الورقي ثنائي البعد، كما وظفت الوسائط المتعددة باعتبارها جزءا بنائيا في نص الرواية وليست مجرّد حلْية شكلية، حيث جاءت جزءا من البناء النصي ذاته.

كما أشير أن تجربتي مرّت بعدة مراحل قبل وصولها لشكلها الحالي، حيث قمت بالتجريب عبر برمجيات متعددة ثم سجّلت مختلف المآخذ على كل طريقة إلى أن وصلت إلى الشكل النهائي الذي يتم الآن -عبره- عرض النصوص/الخطابات الأدبية والفنية التفاعلية بما فيها الرواية. ويمكن تقديم ملخصا لأهم هذه المراحل فيما يلي:

المرحلة الأولى: قمت بإعداد   موقع ويب خاص يظهر باعتباره صفحات ويب مترابطة بروابط تشعّبية محققة النص المفرع، أقوم من خلالها بدمج المقوّمات النصية التفاعلية ومن ثمة طرحها عبر الشبكة، فانطلقت من برنامج الفرونت بيج Microsoft Office Frontpage وهو من باقة المايكروسوفت أوفيس، وهو تطبيق برمجي لتحرير HTML وتصميم وإدارة مواقع الويب يطبق مفهوم ما تراه هو ما تحصل عليه (بالإنجليزية WYSIWYG) ومن ميزاته أنه بسيط في عملية البرمجة يمكن للمبدعين أن يحرروا به مواقعهم بسهولة عبر لغة html ويظهر البرنامج عند فتحه بالشكل التالي:



          من خصائصه أنه يمنح المؤلف/المبدع إمكانات الكتابة مباشرة، كما يمكّنه من ربط نصه بروابط تشعّبية مختلفة ويمنحه إمكانات هائلة في التحكم بالوسائط المتعددة وإدماجها كبنيات في النص التفاعلي(رواية-شعر –مسرح- مقامة...)، إضافة لهذه اللغة يمكن التحرير بلغات برمجية أخرى حسب الحاجة ومدى تحكم المؤلف فيها خصوصا إذا كان النص التفاعلي يشتغل باعتباره لعبة، فيحتاج للُغة برمجية تتناسب وهذا البعْد الفني الخاص كلغة ++C أو C# أو JavaScript. وغيرها مما يختاره المبرمج/المؤلف ويناسب ما يريده من لعبته/نصه، وبعد انتهائي من تصميم موقعي كان بالشكل التالي:



عبر مختلف الأقسام يمكن الولوج إلى أي جنس أدبي تفاعلي لينطلق الإبحار. وبالضغط على الراوية التفاعلية نحصل على:




 لكن للأسف واجهت هذه التجربة عدة مشكلات كالاستضافة والقرصنة ... وهنا لجأت إلى طريقة أخرى في عملية البناء والعرض وهو إنشاء برنامجي الخاص المناسب لعملي وهو ما قمت به في مرحلة متقدّمة.

المرحلة الثانية: قمت بتصميم برنامج خاص يمكنه احتواء مختلف متعلّقات النص التفاعلي اللغوية وغير اللغوية وذلك بتوظيف برنامج فيزيال بازيك ويظهر البرنامج المؤسس بالشكل التالي:




لكن هذه العملية باءت بالفشل والمحدودية لأنها قدّمت نصا مفرعا مغلقا على ذاته وهي لا تختلف عن التصميم ببرنامج الفلاش حيث تقدّم إمكانات الانتقال الحر للمتلقي عبر روابط تشعّبية مختلفة لكنها لا تسمح له بالتعديل والإضافة مما جعلني أنتقل إلى مرحلة أخرى أكثر تفاعلية وهو ما استقرت عليها تجربتي في الأدب والفن التفاعلي.

المرحلة الثالثة: خلال هذه المرحلة حاولت البحث عن برمجيات تمنحني إمكانات مختلفة في احتواء النص/الخطاب الأدبي التفاعلي بمختلفة مقوّماته وفي نفس الوقت تفتح لي نوافذ خاصة بالمتلقي ليكون مشاركا في عملية الإنتاج إما بالإضافة أو التعديل، وفي الوقت ذاته تكون العملية آنية؛ أي يتم التفاعل بشكل آني وحر وفي الوقت ذاته، وهنا لابد من الاتصال عبر الأنترنيت مباشرة، ولم أعثر على مثل هذه القدرات إلا في المدوّنات حيث وجدت بعض المواقع العالمية التي تطرح مدونات بتصاميم جاهزة وهي محمية ومجانية يقوم المؤلف فقط بوضع نصه وفق رؤية إخراجية خاصة، أو يصمم بناء عليها موقعه الخاص، ومنها مثلا:

- بلوجرblogger. وهو على الرابط https://www.blogger.com/

من إنتاج جوجل.

-وورد براس wordpress. وهو على الرابط:https://fr.wordpress.com/

وهناك مواقع كثيرة تمنح هذه الإمكانات المجانية في خلق موقع وأرضية لما يريده الأديب التفاعلي ونقدم في ما يلي صورة للموقعين:



قمت باختيار مدونة بلوجر المجانية، حيث يتم إنشاء حساب خاص وتُمنح مساحة معتبرة للمؤلف لتقديم عمله، وهنا تنطلق آليات البناء الحقيقية في النص التفاعلي، وأول خصائص هذا الموقع أنه يمنحك القدرة على العمل أثناء الاتصال كما يقدّم لك كشفا بكل المتفاعلين (البلاد/ الجهاز المتصل منه/ الفئة....) وكلها مؤشرات مهمة في قياس التفاعل. كما أشير إلى أن المدونة في طبيعتها وفلسفة إنشائها تعد موقعا شخصيا لعرض مادة تخص صاحبها ويمكن التفاعل معها، لهذا قمت بتطويع المدونة لتتحول إلى شبه برنامج خاص بالأدب والفن التفاعلي، حيث استثمرت الإمكانات التي تقدّمها لي وحوّرتها بما يناسب نصوصي من جهة، ويمنحني نوافذ كثيرة للمتلقي من أجل التفاعل الإيجابي بالزيادة أو التعديل.

في ما يلي سأقدّم أهم المستويات التي مررت بها في الإعداد خلال هذه المرحلة معتمدا مدونة البلوجر، مبيّنا آليات البناء في الأدب والفن التفاعلي (يتم التركيز على الرواية فقط –حسب الدراسة):


1-   إنشاء المدونة: يتم إنشاء المدوّنة بعد الحصول على بريد إلكتروني في ، وقد اخترت تسميات خاصة تفاعلية سواء في البريد أو المدونة:

اخترت البريد باسم: التفاعل:interactive010101


وبعدها يتم تفعيل المدونة واختيار التسمية: الأدب والفن التفاعلي -Literature and Art – Interactive. يظهر شكل المشاركة الجديدة كالتالي:



تمنحني هذه الصفحة كل الأدوات اللازمة لتقديم النص التفاعلي (الرواية) بمختلف مقوّماته اللغوية وغير اللغوية حيث تعد هذه الصفحة خاصة بصاحب النواة فقط، ومن خلالها يتم ضبط كل ما يتعلق بالنص الذي سيتم عرضه/نشره، وبعد إتمام العملية يتم اعتمادها بالنشر لتنطلق عملية التفاعل الحقيقية عبر الأنترنيت، وأهم ميزات المدونة أن العمل يتم مباشرة عبر الأنترنيت أي العمل متصلا، كما يضمن حفظ العمل لو انقطع الاتصال (الحفظ آلي) كما يمنح المبدع حرية في النشر أو الاحتفاظ بالعمل باعتباره مسودة، يقوم بإعدادها وتحضيرها لاحقا للنشر، وهنا تظهر أهمية هذه الطريقة وإمكاناتها التي تقدّمها للمبدع.

2-  التحضير لمكونات النص/الخطاب التفاعلي (الرواية):

قبل بداية التحضير يؤطر المبدع/صاحب النواة فكرة خاصة بروايته ويضع ملخصا وأهم مفاصل الرواية وفي تجربتي في رواية "الزنزانة رقم 06" أعددت المسودة عبر برنامج التحرير Microsoft Word وتظهر المسودة بالشكل التالي:





بعد عملية التحضير للمسودة قمت بإعداد المكونات حسب طبيعتها كالتالي:

-         الجانب اللغوي: يعد الجانب المحرّك في الرواية ويتم تحضيره في برنامج التحرير Microsoft Word حسب عدد الفصول والطبقات المفرّعة، وفي رواية "الزنزانة رقم 06" قمت بالتحضير لأكثر من ستة فصول وأكثر من 30 طبقة مفرعة وهذه العملية مبدئية لأن الطبقات والفصول تزداد بعد عملية العرض، فالرواية هي نواة ومنطلق نحو التفرّع. والملاحظة في هذا المقام أن الجانب اللغوي لا يقدّم أحداثا منتهية فهو يترك فراغات منطقية مما يحتم على المتلقي الإضافة والتعديل، كما يقدّم هذا الجانب احتمالات متعددة للقراءة ومسارات كثيرة مما يدفع المتلقي إلى مفترق طرق يختار المناسب له وفق مرجعياته الخاصة، وهو ما يجعل الرواية أكثر توليدا للقراءات وأكثر تفرّعا حيث سينتج عبر الإضافات مستويات عديدة لها. بعد عملية إعداد الجانب اللغوي وهو مؤقّت لأنني أقوم بالزيادة والحذف عليه أثناء عملية دمجه ببقية المكونات في مرحلة التركيب والإخراج، لهذا فالعمليات على اختلافها مؤقتة ودائمة الحركة وغير مستقرة قبل وبعد عملية النشر.

من عيّنات الجانب اللغوي في رواية "الزنزانة رقم 06" أقدّم ما جاء في فصل "قبلة وداع":



-         الجانب غير اللغوي: ويشمل الصور والصوت والحركة، ويعتبر هذا الجانب الأكثر تعقيدا لكونه مرتبط ببرمجيات خاصة؛ كالفوتوشوب Photoshopأو MP3 Cutter لتقطيع الصوت وغيرها، ويتم اختيار الأصوات والصور والفيديوهات حسب رؤية إخراجية خاصة بالمبدع/صاحب النواة، وهنا تبرز أهمية المعرفة المتعددة للمؤلف، فهو لا يكتفي بالمعارف الأدبية بل يجب أن يكون مكوَّنا في الجانب التقني والفني والإخراجي، كما يمكن للمؤلف الأول الاستعانة بفنانين آخرين في مرحلة الإعداد، وتتم عملية الإعداد في هذا الجانب بالتوافق مع الجانب اللغوي والعملية تتم عبر إعداد خارطة بتقنيات خاصة بكل مؤلف. في روايتي "الزنزانة رقم 06" تمت العملية عبر خارطة خاصة تم التجميع عبرها في برمجيات محددة قبل طرحها في البلوجر.

من عينات العلامات غير اللغوية وتعدد الوسائط نقدّم الصوت والحركة:






الصورة الأخيرة تمثل بطاقة تعريف بإحدى الشخصيات، وأشير في هذا الموضع أنني قمت بتحرير شخصيات هذه الرواية عبر عملية التقمّص فهي الآن طليقة عبر الفضاء الأزرق لها صفحات تواصل اجتماعي وتتمتع باستقلالية كاملة في حدود طبيعة وظيفتها في الرواية.

-الجانب البرمجي: خلال هذه المرحلة قمت بوضع المكونين/الجانبين السابقين في البلوجر عبر الصفحة التي أنشأتها في البداية (لوحة التحكّم)، وتتم عملية الدمج بطرائق وكيفيات كثيرة جدا حسب الرغبة الإخراجية فبعضها يتم وضعه عبر نسخة مباشرة وأخرى عبر رفعه لمواقع معينة على الويب ونسخ رابطه، وطريقة أخرى يتم نسخ أوامر محددة في قاعدة البيانات للمدونة لتفعيله، وغيرها من الطرائق البرمجية، وهنا يفضل أن يقوم المبدع بهذه العملية بنفسه إلا إن تعذر ذلك يمكنه الاستعانة بتقنيين. وأقدّم فيما يلي عيّنات عن عملية الدمج:







كما يمكن الدمج عبر إضافة شفرات/أكواد خاصة خصوصا لما نريد إضافة الحركة أو الصوت وغيرها من العلامات غير اللغوية، مثلا، يتم إضافة الصوت عبر رفعه إلى موقع الرفع وأخذ رابطه ودمجه في شيفرة خاصة ثم وضعه في قاعدة بيانات المدونة بلغة html وتكون النتيجة كالتالي:



حين وضعه يصبح كالتالي:



بهذا الشكل يتم دمج الوسائط المتعدّدة مع النص، إضافة إلى طرائق أخرى كثيرة لإضافة الفيديو أو الصورة وغيرها، وهنا تظهر الإمكانات البرمجية للمدونة حيث تمنح المبدع قدرات هائلة لطرح نصه التفاعلي بالشكل الذي يراه مناسبا ووفق رؤية فنية خاصة، ويظهر في هذه المرحلة مستوى آخر من التفاعل والتشارك وهو دخول مبدعين وفنانين من مجالات مختلفة في ذات العمل (الرسام والموسيقي والشاعر....) وعليه تصبح الرواية التفاعلية جامعة لكل الإبداعات كما تمكّن المتلقي من المشاركة وتمنحه فرصة الإطلالة الحرة على عالم الإبداع، بل التواصل والمشاركة مع مبدعين متمرّسين.  

كما وضعت روابط خاصة بالمتلقي تعمل عبر مسارين؛ الأول تجعل النص مفرعا hypertext ويتم ذلك باستخدام الروابط التشعّبية مما يمنح المتلقي قراءة حرة عبر الانتقال من طبقة إلى أخرى بشكل اختياري، ففي النص المفرّع –كما تقدّم- يمكن الانتقال عن طريق الوصلات (Links) من موضوع إلى آخر متصل به وذلك حسب أغراض المستعمل[26]. أما المسار الثاني فهو يفتح نوافذ خاصة بالمتلقي ليضيف أو يعدل في مسارات الرواية وهنا يتم تفعيل الجانب الإيجابي في الرواية التفاعلية. وفيما يلي أقدّم عيّنات عن المسارين وكيف تتم عملية الإضافة:



عبر الرابط التشعبي يتم ربط النص الظاهر بطبقة نصية أخرى مخفية، وهنا يتم تحقيق النص المفرع مما يمنح المتلقي قراءة حرة عبر مسارات شبكية مفرعة وفق طبقات كثيرة، وبعد عملية الجمع والنشر يؤدي الضغط على النص ذي اللون المختلف أو المسطّر (النص المتميز) إلى الانتقال إلى طبقة أخرى وفق خطة اخراجية مسبقة وفي المثال المقدم -مثلا- بعد الضغط تظهر صورة شخصية الضاوية في المذكرات بالشكل التالي:



عملية الربط تتم بوضع رابط الصفحة الثانية التي تم نشرها في خانة الروابط للنص الذي نريد ربطه.


تستمر العملية بذات الكيفية مما يجعل الرواية نصا مفرعا تمنح المتلقي إمكانات قرائية متعددة.

أما المسار الثاني المتعلّق بإضافة المتلقي وتعديله في النص فقمت بوضعها في مفاصل مختلفة من الرواية، ثم ربطتها ببريد المدونة كي يتم ارسال الإضافة مباشرة، وهي مرحلة أولى قبل إطلاق عملية التعديل بشكل حر مع مدونين مختلفين. وفيما يلي أقدّم عيّنة عن ذلك:



يتم ربطه بالبريد الإلكتروني عبر رابط تشعبي وبعد نشره والضغط عليه يُفتح البريد مباشرة .





يتم تضمين الرسالة بما يراه المتلقي (إضافات لغوية أو غير لغوية) ويضع معها الرمز ليتم وضعها في مكانها المناسب من النص بتقنيات خاصة، وتوضع باسم صاحبها (أو اسمه المستعار) كما يتم وضع مسارات أخرى في ذات المكان ليتمكن أكثر من متلقي من الإضافة، فالعملية غير محدودة.

كما أشير في الجانب البرمجي لأمر غاية في الأهمية في عملية انتشار المدونة وهو النطاق الذي تنتمي لها والقالب الذي يحويها، ففي البداية البلوجر يمنحنا نطاق وقالب لكنهما عامين أي شائعين حيث يكون رابط النطاق من الشكل: https://interactive010101.blogspot.com/

أما القالب من الشكل:



بعد انتشار المدونة قمت بشراء نطاق تعريفي خاص بها وهو على الرابط: www.litartint.com

وهو مشكّل من اسم المدونة: الأدب والفن التفاعلي




عبر هذا النطاق يتم تمييز المدونة مما يحقق انتشارا أكبر لها، إضافة للنطاق قمت باقتناء قالب خاص وهو أكثر احترافية يمنحني إمكانات هائلة للإضافة والتعديل كما يوفّر مجالا رحبا للمتلقي من أجل التفاعل حسب رغبته، والقالب خاص بالمجلات إلا أنني طوّعته ليكون مناسبا للأدب والفن التفاعلي بما فيه الرواية التفاعلية، ويظهر شكله كالتالي:



-الجانب التفاعلي: عبر هذا الجانب يظهر دور المتلقي وكيف يساهم في بناء الرواية التفاعلية، كما تبرز إمكانات القراءة الحرة؛ لهذا يظهر آخر مستويين في الجانب البرمجي (قمنا بشرحهما سابقا) بوضوح في هذا الجانب، فقمت بوضع روابط خاصة -كما تقدّم – بالروابط التشعبية مولّدة النص المفرع ومانحة القراءة الحرة، وروابط خاصة بالتعديل والإضافة لضمان المشاركة الإيجابية في إنتاج النص مما يحقق التفاعل الحقيقي في الرواية، وهو ما يجعلها مستمرة وممتدة محققة بذلك سمات النص الرقمي الممثل للحداثة الرقمية، فالنص الرقمي في حالة تنام مستمرة، فهو يتمدد[27]، والرواية التفاعلية تُظهر هذه السمة بشكل واضح عبر طرحها لخيارات إنتاجية كثيرة أمام المتلقي.

مما تقدّم يظهر أن الرواية التفاعلية يتم بناؤها وفق آليات مختلفة بعضها خاص بالجانب اللغوي وأخرى بتدخل الوسائط المتعددة باعتبارها جزءا من البناء ويتم جمع مختلف المكونات ببرمجيات خاصة ومن ثمة طرحها في المدونة ونشرها على الشبكة ليتفاعل معها المتلقي مباشرة، فينتقل عبر مساراتها التفرعية كما يمكنه التعديل والإضافة حسب توجهاته، بهذا فكل المسرات مفتوحة ونص الرواية غير منتهي والمتلقي ليسا سلبيا، ولو أن عملية المشاركة في مرحلتها الأولى أكثر تقييدا بسبب حداثة الأمر عند المتلقي العربي، لهذا قمت بوضع جملة من الضوابط مبدئيا إلى غاية تحرير العمل وربطه بمدونين مباشرة، وهو أمر يحتاج إلى وقت وتجربة مع عدد من المدونين. 

إضافة لما تقدّم قمت بتوفير إمكانية بداية رواية جديدة للمتلقي عبر مسار أولي يدخله من البداية قبل تفاعله مع روايتي. فقط يضغط على الأيقونة الموجهة ليبدأ روايته الخاصة وتمنحه صفحة المدونة ذلك:



من خلال المدونة يمكن تكوين جيل من الكتاب إما مشتركين في ذات العمل أو مؤسسين لأعمال جديدة، كما تمنحهم فرصة التواصل في ما بينهم ونقل الخبرات، كما تقرّب المسافة بين أهل الاختصاص والمحترفين في المجال بالهواة والمبتدئين وهنا يبرز البعْد التعليمي في الأدب التفاعلي عموما.

إضافة لما تقدّم تمنحنا المدونة قدرات إحصائية مهمة خاصة بالمتلقين ونسبتهم وبلادهم وطريقة تفاعلهم وغيرها من المعلومات الإحصائية التي تقدّم صورة يومية/لحظية على طبيعة التفاعل مع النص، مما يجعل صاحب النواة النصية يفعّل مسارات خاصة كل مرة حسب نسبة التفاعل، كما يوجه نصوصا معينة وفق طبيعة التفاعل وبلاد حدوثه، ويمكن تقديم عينات إحصائية كالتالي:



لكن رغم ما تقدّمه الراوية التفاعلية من إمكانات هائلة للتفاعل الإيجابي والتشاركية في إنتاج نصها، إلا أنها تطرح إشكالات مختلفة خاصة بما تعلق بفلسفة البناء وجمالية التلقي، فالذائقة القرائية العربية في مجال الرواية تعوّدت على المستوى الورقي ثنائي البعْد الذي يؤسس نظامه التصويري والجمالي على الورق، عبر تحويله/ترميزه للأفكار ثم طرحها الورقي ليستقبلها المتلقي ويعيد فك شفرتها وبناء صورها من جديد في ذهنه، فيعيد بعثها لكن من وجهات نظره الخاصة، وعبر عملية القراءة هذه تُخلق جمالية خاصة وفق معايير محددة، في حين نجد الأمر في الرواية التفاعلية مختلفا فالبناء يصل إلى البعد الرابع وهو الزمن، كما لا يكتفي بالترميز اللغوي حيث يخلق نظاما تصويريا خاصا في الكثير من الأحيان تكون صوره حية ومتحرّكة، مما يجعل المتلقي يتتبع نصا مختلفا لا يُحدث فيه ما يُحدثه النص الورقي، وهنا مكمن التحول والخطورة، فيعد تحرّر الأدب من الكتاب والثبات في البعْد الورقي يعرّض هويته للمراجعة، ويجازف بالفقدان والتلاشي أمام هذا التحوّل الوسائطي[28]، بهذا ستتولد عبر هذا التحول جمالية مختلفة ونظام تصويري آخر وإعادة فك شيفرة مختلف، وهذا ناتج عن هذه الحداثة الرقمية التي أصبحت أكثر خطورة، فهي ليست -فقط- ذات محتوى جمالي معيّن أو مجموعة تقنيات واهتمامات خاصة بتمييز المبدعين المعاصرين، إنها ثورة في طبيعة النص ذاته المنعكس عبر المواقع الإلكترونية والبرمجيات على اختلافها، مما يولّد نصية عشوائية مائعة الحدود وسريعة الزوال[29]، وهو ما يشكل خطرا على الذائقة في جعل تحوّلها عشوائيا وسريعا وغير منضبط مما يُفرز جيلا بلا قيم قرائية.. فيؤثر/يحوّل ذلك في الذائقة القرائية للعربي فالنص الروائي الورقي تم تشويهه وتشظيته بدخول التفاعل سواء في البناء أو في إعادة الإنتاج التي لم تعد مجرّد تأويل بل هي إعادة إنتاج نصي حقيقية، وهنا مكمن الخطورة فهل نضمن عدم فساد الذائقة الجمالية للمتلقي العربي عبر ترسيخ مبادئ الرواية التفاعلية؟ أم سنؤسس لذائقة أخرى؟ وما مدى مشروعية هذا التأسيس؟ خصوصا إن قام بالتأثير/إلغاء الذائقة القديمة؟ تساؤلات كثيرة تجعلنا ندخل عالم الرواية التفاعلية بحذر كي لا نفقد تراثنا السردي وذائقتنا الجمالية في التلقي، لهذا الدعوة اليوم إلى التأسيس لرواية تفاعلية عربية تقدّم الجديد لكن آخذة بعين الاعتبار طبيعة المتلقي العربي وذائقته الجمالية الخاصة، وعدم جعله يتفسّخ قرائيا. وهنا مطلب النقد التفاعلي بشكل عام صار لزاما بعد التأسيس لفلسفة تفاعلية تواكب العصر وتطورات النص دون أن تفصل العربي عن تراثه الأول، فعملية إدخاله لهذا العالم تكون وفق قواعد وضوابط ومراحل كي لا تحدث صدمة الرقمنة وفقدان الهوية القرائية والذائقة الجمالية، وهو ما سيؤثر في العلاقات بين المثقفين من الصنفين الورقي والرقمي.

الإحالات




[1]  ينظر، حسام الخطيب، الأدب والتكنولوجيا، وجسر النص المفرّع،hypertext .  ط1، المكتب العربي للتنسيق والترجمة والنشر، دمشق-سوريا، 1996، ط3، رام الله، 2018، ص، 36.
[2]  ينظر، المرجع نفسه، ص، 125.
[3]  ينظر، عمر زرفاوي، الكتابة الزرقاء، مدخل إلى الأدب التفاعلي، كتاب الرافد، العدد، 56، أكتوبر 2013، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، ص 195.
[4]  زهور كرام، الأدب الرقمي، أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة/مصر، ط1، 2009، ص 22.
[5] ينظر، فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، المركز الثقافي العربي، بيروت /لبنان، الدار البيضاء/المغرب، ط1، 2006م، ص 22، ص23.
[6] فيليب بوطزْ، ما الأدب الرقمي؟، ترجمة، محمد أسليم، مجلة علامات العدد 35، ص 105.
[7] ينظر، فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص 50.
[8] فيليب بوطزْ، ما الأدب الرقمي؟، ص 106.
[9]  ينظر، حسام الخطيب، الأدب والتكنولوجيا، وجسر النص المفرّع،hypertext . ص، 122.
[10]  ينظر، رحمن غركان، القصيدة التفاعلية، في الشعرية العربية، تنظير وإجراء، دار الينابيع، سوريا، ص 29.
[11] ينظر، فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص 99.
[12] ينظر، محمد سناجلة، رواية الواقعية الرقمية، النسخة الرقمية، ص 32، ص33.
[13] ينظر، المرجع نفسه، ص 95.
[14]  ينظر، زهور كرام، الأدب الرقمي، أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية، ص 34.
[15] ينظر، فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص 112.
[16]  ينظر، آلان كيربي، الحداثة الرقمية، ترجمة، زين العابدين سيد محمد، مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة/مصر، ط1، 2017، ص 98.
[17] ينظر، فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص 115، ص 117.
[18] المرجع نفسه، ص 120، ص 121.
[19] ينظر، سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط، مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي، المركز الثقافي العربي، بيروت/لبنان، الدار البيضاء/المغرب، ط1، 2005م، ص 209.
[20]  ينظر، عمر زرفاوي، الكتابة الزرقاء، مدخل إلى الأدب التفاعلي، كتاب الرافد، العدد، 56، أكتوبر 2013، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، ص 162.
[21] ينظر، رومان ياكبسون، قضايا الشعرية، تر، محمد الولي، مبارك حنون، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1988م، ص 27.
[22] ينظر، أنظمة العلامات، في اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى السيميوطيقا، مقالات مترجمة ودراسات، إشراف، سيزا قاسم، نصر حامد أبو زيد، دار إلياس العصريّة، القاهرة، مصر، د.ط. من مقال، السيميوطيقا في الوعي المعرفي المعاصر، لأمينة رشيد، ص 59.
[23] محمد مرينيي، النص الرقمي وابدالات النقل المعرفي، دائرة القافة والاعلام - الشارقة، الناشر، مجلة الرافد، العدد89، مارس 2015،  ص 60.
[24]  ينظر، حسام الخطيب، الأدب والتكنولوجيا، وجسر النص المفرّع،hypertext .  ص، 127.
[25] ينظر، محمد سناجلة، رواية الواقعية الرقمية، النسخة الرقمية، ص 33.
[26]  ينظر، حسام الخطيب، الأدب والتكنولوجيا، وجسر النص المفرّع،hypertext . ص، 125.
[27]  ينظر، آلان كيربي، الحداثة الرقمية، ص 97.
[28]  ينظر، فيليب بوتز، كلود بيرسزتيجن، ألان فويلمان، جان كليمون، بيير ليفي، صوفي ماركوط، الأدب الرقمي، من مقال: جان كليمون؛ الأدب ومغامرة الرقمية، ترجمة، محمد أسليم، الدار المغربية العربية، الرباط/المغرب، ط1، 2016، ص 80.
[29] ينظر، معن الطائي، أماني أبو رحمة، الفضاءات القادمة، الطريق إلى بعد ما بعد الحداثة، مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة/مصر، ط1، 2011م، ص 316.

د.حمزة قريرة جامعة قاصدي مرباح ورقلة/الجزائر
hamza.grira@gmail.com
الاسمبريد إلكترونيرسالة