recent
أبحر معنا

رواية الزنزانة رقم 06- Novel - Prison Cell No. 06 - رؤيا

 رؤيا

https://interactive010101.blogspot.com/2018/11/blog-post.html

 

 

 

https://interactive010101.blogspot.com/2018/12/Dream.html

 

لم أصدق أني سأخرج من زنزانة نسوني فيها لأكثر من سنة، أصبحت كالوحش، شكلي مرعب رأيته والماء يغمر الزنزانة في يوم المعجزة، كدْت أغرق والماء يتدفّق من فتحة التهوية الوحيدة في الزنزانة... كانت الكتب التي قرأتها تسقط تباعا في الماء منظرها مؤثر، والماء يبتلعها بكل ما تحمل، لم يكن معي على الطاولة التي عصمتني من الماء سوى المذكرات التي وجدتها في الزنزانة بجزأيها، ربما كانت الدافع الوحيد الذي جعلني أتشبّث بالحياة .... لا أظن ربما الضاوية ابنة الصحفي صاحب المذكرات بالتبني، كانت جميلة في وصفه، وكذا في صورتها التي رسمها، تبدو مذهلة رغم أناللوحة قديمة، فهي تعود لأكثر من عشرين سنة، أشعر أني أعرفها منذ زمن ...

 خانتني فتحة التهوية في الزنزانة  تركتني بلا أخبار وكادت تغرقني، كانت أنيسي الوحيد في معاناتي منذ زمن، فقد نقلت إلي أخبار المدينة بدقة، فقد أطلّت على السوق وكنت اسمع كل ما يدور فيه دون أن يسمعني أحد، السوق يبعد عني بعشرات الأمتار لكن تقنية الهندسة كانت تدفع الصوت نحوي في اتجاه واحد، تسلّيت كثيرا بأخبار الناس وأحزانهم وفوضاهم.. لكن ما أثّر فيّ أكثر هذه المذكرات التي ترجمت ما عانيناه قبل سنوات ولا زلنا، خانني مصدر الصوت وانهار النفق وبدأ تسرّب الماء، والزنزانة في الغرق، كنت انتظر المعجزة لأجل الضاوية لا لأجلي...
 السؤال الوحيد الذي دار في خلدي وأنا أستعد للرحلة الأخيرة ...
-هل المعجزات موجودة؟  

(للتفاعل وإضافة مسارات جديدة اضغط هنا/ اكتب الرمز مع الرسالة.17)


كنت اسمع  خرير المياه المتدفّقة بغزارة من الفتحة، إذْ بصوت رجال في رواق الزنزانة، اعتقدت أنه الهذيان قبل الموت، لكنها أصوات حقيقية إنها تقترب من الباب ... أحدهم يقول لا بد أنه هنا ... 

 
مشاركة (زكريا صالحي) 


إطلاقُ رصاص على قفل الباب.... يندفع الماء بقوة في الخارج يغمر الجميع يسقطون أرضا، بعضهم يضحك، أسمع قهقهة.. يفتحون الباب مرة أخرى...



ينظرون إلى الداخل كنت لا أزال واقفا على الطاولة وقد بقيت معي بعض الكتب كجدد حياتك قلت في نفسي لعلني سأفعل، دخلوا الزنزانة والحيرة تغمرهم، كان الجميع ينظر إليّ بدهشة واستغراب، أحدهم يقول: ما هذا إنه وحش... عرفت أنه يقصدني ...

 قال الآخر: أكيد أنه جُنّ... يبدو أنه هنا منذ فترة طويلة... 
اقتربوا مني وفي عيونهم الشفقة، وفي أيديهم أسلحة لكن لا يبدو أنهم جنود.. قال ثالث موجّها الكلام لي: تعال انزل لا تخف لن نؤذيك... كنت أبتسم وأرى وجوههم بدهشة، فمنذ زمن لم أر بشرا، لما رأيت لباسهم ووجوههم عرفت لمَ نعتني أحدهم بالوحش فلباسي رث وممزّق ... قدّم لي أحدهم سترته وقال البسها... ثم هموا بإخراجي لكني تسمّرت في مكاني. جسدي لا يريد الخروج، شيء ما بداخلي يقول اتركوني وشأني أريد الموت هنا ... قال كبيرهم أخرج لا تخف أنت حر الآن ... مضى وقت الظلم..



كنت أتراجع وهم يسحبوني إلى الخارج، أرى الرواق الذي دخلت منه أوّل مرة يبدو باردا ومظلما ..
نصعد الدرج إلى الأعلى والضوء القوي يُتعبني كأسئلتهم المتواصلة ....لم أجب عن أي منها، من تكون لماذا سُجنت؟ ... كنت أقول في نفسي لو كانت لي هوية لما سجنوني ... ظلوا يتكلّمون وأنا أسمعهم وأتبعهم.. 


وصلنا إلى الأعلى كانت الثكنة تشتعل، النيران في أطرافها، والشباب في كل مكان، الجميع يحطم ويأخذ ما يستطيع، يبدو أنهم اقتحموا الثكنة لكن الثورة انتهت كما علمت.... ربما قامت أخرى ... اقتادوني لشاحنة كانت في الساحة، طلب أحدهم من السائق أن يأخذني إلى المشفى الميداني ويبقيني تحت الرقابة كي يعرفوا قصّتي، صعدت الشاحنة دون كلام والجميع ينظر إلي بدهشة، وبعضهم يصوّرني وآخر يجري بثا مباشرا على الفايس وكأنه مذيع، ويقول هذه جرائمهم هذا من كبار المعارضين والمناضلين، هو هنا منذ سنوات اُنظر أيها العالم الثورة تنقذه... خرجت مع الشاحنة من الثكنة، ها أنا أرى المدينة بعد فراق طويل، وكأنني ولدت مرة أخرى، الشوارع مملوءة بالحواجز، الكل متأهّب، نسير ببطء، يبدو أن المدينة تمرّدت... بعد لحظات وصلنا لأحد الشوارع الجانبية،  سمعت طلقا ناريا، لم أعرف مصدره اخترق الزجاج الأمامي ... 

السائق ينزف بشدة، توقفت الحافلة بقيت مسمرا في مكاني، الرجل يحتضر، لم أستطع رفع يدي لمساعدته، فتح عينيه وسلّم الروح... كان حيا قبل لحظات ...
(للتفاعل وإضافة مسارات جديدة اضغط هنا/ اكتب الرمز مع الرسالة.18)
كرهت البعث الجديد الذي يبدأ بالموت... نزلت من الشاحنة واتجهت صوب أحد الشوارع، صرت أمشي وألتفت خلفي كان الجميع ينظر لي نظرة ازدراء حتى أن نقاط التفتيش التي كانت توقف الجميع لم توقفني ولم يكلّمني منهم أحد، أعجبتني الفكرة صرت أمشي ورأسي مرفوعا، لا أحد يكلّمني، عرفت السبب سريعا لما وقفت أمام زجاج إحدى السيارات، حيث رأيت كائنا غريبا يلبسني إنه ليس أنا، شَعْر كثيف يتعدى 40 سم ولحية طويلة وملابس رثة إنني مجنون بامتياز ...


 جبت المدينة كما لم أجبها من قبل لم يوقفني أحد حتى الأكل كان مجانيا، كلما رأيت الطعام في مطعم وقفت، فيأتيني صاحب المطعم ويقدّم لي طبقا ...... والأروع أن الشباب في نقطة التفتيش أعطوني سجائر، كان طعمها لذيذا، قال لي أحدهم يوما: إن السجائر مثل النساء من أدمنها لا يمكنه الإقلاع عنها...


أتجوّل بحرية مطلقة في المدينة، زرت الكثير من المناطق التي كنت أرتادها في السابق، التقيت بعضا ممن أعرفهم لكن لم يعرفني أحد ... أعجبتني اللعبة يبدو أني في نظرهم مفقود أو ميت أو ربما لم يتساءلوا لفقدي أصلا... فكّرت أن أعود للقرية بحثا عن إخوتي لكن تذكرت زوجة أبي فتراجعت، خصوصا مع شخصيتي الجديدة التي بُعثت فيها... الجنون في المدن المجنونة أفضل للمرء..


بعض الأنغام الشعبية تنبعث من نافذة في الدور الثاني مع دخان وكأن قذيفة أصابته، منظر الدخان والتحطم وصوت الرصاص المتدفق يشكل مع الأنغام لوحة فريدة..  كيف يجتمع الموت مع الرقص؟ معادلة غريبة، عشت بعض تفاصيلها قبل أيام..



الجميع ينهب، يسرق، يتصارع، يطلق النار، أنا الوحيد الذي يسير بسلام في كل مكان، لا يوجد فريق يهتم لحالي والأهم أني آكل عند الجميع، لهذا رفضت أن أعود لشكلي الأول وقرّرت البقاء بلحيتي وشعري الطويل ... سرت كثيرا حتى وقت الليل وكأني أعوّض زمن حبسي أو أنتقم من الشوارع التي مُنعت منها مدة طويلة، مضت بضع أيام وأنا على حالي في مدينة تشتعل... لم أنس المذكرات تحت سترتي كانت الأوراق تتحرّك وتلامس جلدي فأتذكر الأحداث وأزداد إصرارا على البحث، لكن يبدو أن صدمة انتظاري الموت ونجاتي في آخر لحظة وخروجي بهذه الهيئة ومقدار الحرية التي أتمتّع بها الآن جعلتني أعيش حلما، وسأحتاج وقتا كي أرتّب أفكاري أنا أبدو غريبا حتى على نفسي....
لابد من مكان للإستراحة وترتيب الأفكار، وإعادة قراءة المذكرات، هذا ما كنت أفكر فيه في الساعات الأخيرة من يوم طويل، قررت فيه أخيرا أن أستريح وأنطلق من جديد، فقد مضت أيام عن خروجي وأشعر أنني اكتفيت من شوارع المدينة المحترقة، ولم أعد أطيق رؤية الموت في كل مكان...
 في أطراف المدينة، وأنا أجوب أحد الشوارع الضيقة تذكّرت عمي سعيد كان رجلا مخلصا، عمل حارسا للمقبرة طيلة سنوات، ولما أحيل على التقاعد رفض ذلك وظل يذهب إلى عمله حتى أنه حفر قبره بيده، أمرّ ببيته المتهالك أفكّر في إخباره بهويّتي أعرف أنه لن يؤذيني، ففضائله كثيرة عليّ وأمثالي من المتشردين من الشباب، كنا نجالسه في حراسته للمقبرة، ونشرب الشاي معه ويحاورنا في كل شيء تقريبا... كان مثقفا ثقافة عالية، لا أدري لماذا اختار العمل كحارس لمقبرة، مثله يصلح أن يكون رئيسا لمجلس المدينة، إنها بلاد الغباء... الموتى أفضل على الأقل كلهم يعرف مكانه ولا أحد سيبني قبرا زائدا أو يتعدى على جاره، كل يعرف حدوده ... يبدو من مظهر بيته أنه مهجور، يوحي من بابه المكسورأن لا أحد بالداخل

تراه هجر بيته أو مات، أردت الاقتراب أكثر، فسمعت صوتا من خارج البيت يقول: أيها المجنون لا أحد بذلك البيت، فقد هجروه وأنصحك أن لا تدخل قد ينفجر بك شيء في الداخل ... لم أفهم ما يقصده الشاب بالخارج، تراجعت بضع خطوات إلى الخلف والتفت إليه، كأني أطلب منه بصمتي أن يُخبرني عما حل بعمي سعيد، نظرتُ له نظرةَ السائل، ففهم وأكمل: عمي السعيد يعيش الآن في المقبرة هو منشغل من بداية الفوضى بدفن الناس، العملية لا تنتهي وقد بدأها بابنيه راحا ضحية القصف... صار وحيدا.. ولم يستطع العودة لبيته فأغلب هذه البيوت ملغّمة من الداخل، فقد استخدمها أفراد من الشرطة أيام الأحداث المرعبة وتركوها للثوار...
 *حتى اصبحت مهجورة هكذا لا احد يجرؤ على العودة اليها ربما قد تكون ملغمة فلكل يهرب بعيدا ،فهناك من هاجر وهناك من بقي مشردا في الطرقات لا يعرف اي شئ سوى ان الحرب دمرت منزله ولا يدري لماذا غريب ما ءال اليه العربي فتارة بلا مأوئ وعند ما يجد البيت الذي يؤ يه لا يجد الارض التي تحتضنه ليعيش بسلام مع عائلته حتى وان رحل بعيداستظل لعنة السماء تلاحه اين ماكان* (

Mardiya Larousi

) مشاركة

 (للتفاعل وإضافة مسارات جديدة اضغط هنا/ اكتب الرمز مع الرسالة.19)

ابتسمت، عرفت أن عمي السعيد اختار أخيرا مكانه الذي سيبقى فيه إلى الأبد... أما بيته والمدينة الحزينة فهي  تأشيرة إلى جهنم

 

google-playkhamsatmostaqltradent