recent
أبحر معنا

باص الجامعة - رحلة في أحلام عاشق -A journey in dreams of a lover

رحلة في أحلام عاشق

 A journey in dreams of a lover

 

https://www.litartint.com/2020/02/university-bus.html

 

 

الساعة الواحدة بعد الزوال 13:00 من يوم عاصف مغبر في مدينتي ورقلة، خرجت وحبيبتي فيزوف من الجامعة بعد انتهاء آخر محاضرة من المحاضرات المملة في قسمنا ... حيث لا أحد يكترث بشيء، فلا أساتذة راغبين في التدريس و لا طلبة محبين للتحصيل ... هذا حالنا في معهدنا ... التدني في المستوى ونبذ اختصاص الأدب العربي ... كنا سابقا نحتار ... لمَ يكره الكثير من الناس اختصاص الأدب ؟؟!!!.. ولما دخلنا الجامعة عرفنا السبب؛ يكرهونه لأن الدارسين والمدرسين فيه كذلك .... وهم من تسببوا في الإطاحة به .. أفف لماذا أفكّر في كل هذا الآن عليّ تناسي وضعنا البائس والتفكير في شيء جيد يخفف وطأة الاكتئاب الذي سببته الرياح والغبار... سننزل إلى المدينة قاصدين مكتبة دار الثقافة نتنفس حبا وندرس ما تيسر من الكتب... الحل الوحيد للقاء حميمي مع بعض العلم...
كانت خطواتنا متثاقلة عند خروجنا من باب الجامعة وذلك لعلمنا أن الجامعة تعاني نقصا ا في عدد الحافلات وكالعادة سنواجه المصير نفسه حين يتدفق أكثر من مئتي طالب على حافلة واحدة، سرنا ونحن ندعو الله أن تكون هذه المرة أفضل على الأقل حتى لا نفقد حذاء أو تتمزق لنا سترة خصوصا وأنا ميزانيتنا محدودة ولا تكاد تكفينا لتناول فنجان قهوة في اليوم .. الحمد لله على كل حال..
صرنا على مشارف موقف الحافلات ... الأمر غريب ..  لا طلبة على جانبي الرصيف والعادة أن نرى الكثير منهم .. لعلها الرياح .. .. لا .. اتضح السبب مع اقترابنا من الموقف، إنها الحافلات .. فقد أحضرت الجامعة عددا إضافيا منها.. حافلات جميلة ألوانها .. لكنها قديمة ويبدو عليها الإنهاك .. لا بأس المهم أنها لازالت تعمل ... تقدمنا من إحداها ننتظر فتح الباب .. ألوانه زاهية لكني شعرت بالأسى مما سيحدثه الطلبة بها .. فتح الباب وما كدت وحبيبتي نضع قدمنا على الدرج حتى تقدم بعض الطلبة بسرعة قاصدين الباب الضيق نفسه دفعة واحدة.. لم يكن عددهم كبيرا ومقاعد الحافلة تكفيهم وزيادة .. لكنهم ربما تعودوا على الفوضى والتسارع نحو الحافلة، ويصعب عليهم التخلي عن عاداتهم الحبيبة كنت أول من وصل إلى الباب وآخر من صعد... رأيت الطلبة متناثرين في كل المقاعد ... أحدهم يجلس بطوله على مقعدين والأخرى تجلس على كرسي ورجلها في الآخر وحقيبة يدها في الثالث .. جاب نظري كل الكراسي إلى أن أبصرت كرسيا شاغرا بدت رجله مكسورة وبطانيته ممزقة جهة الرأس لا يكاد يظهر منها غير رقم باهت قديم (12) يبدو أنه رقم الكرسي في تعداد الكراسي جلست عليه وجلست حبيبتي في الكرسي الآخر .. تحرّكت الحافلة ومعها الكرسيان كانا يترنحان يمينا وشمالا .. يبدو أن الحافلة قديمة وكانت لنقل المسافرين بين المدن البعيدة وكراسيها أصبحت مهترئة... لا يهم المهم أننا وجدنا ما يقلّنا بسرعة ويسافر بنا في دنيا الأحلام.. سافرت وحبيبتي... أمسكت بيدها ونظرت إلى الجو العاصف في الخارج تماهيت معه نسيته ونسيت نفسي والحافلة .. وحلمت أني أتزوجها .. وأحملها بعيدا حيث لا أجد أحدا ...
بدأت رحلة الحافلة متجهة إلى المدينة تشق الطريق العاصف ... اختفت البنايات على جانبي الطريق بل اختفى الطريق نفسه بالرمال التي غطته نظرت لها وتنهدت .. كانت تعرف سبب تنهدي .. فأنا لا أحب الريح .. كما لا أحب الظلام .. أنا أخاف الظلام هي حقيقة لست جبانا .. ولكني أخاف .. في الظلام أشعر أنني انقطعت على العالم وأصبحت مكشوفا للمجهول، عبر حاسة الرؤية أشعر بالقوة، فأنا لا أخاف من أي شيء أراه مهما كان ما يخيفني فعلا هو المجهول الذي يأتي من فضاء غير مدرك، فلسفة الخوف عندي مختلفة لعلها تشبه التي يحملها الأطفال، لا أحد يعرف بذلك إلا هي، عموما ستكون زوجتي ولا أظنها تفشي السر.. لم يحملني على تحمل هذا الجو سوى وجودها بجانبي .. إنها البدر في جوي العاصف .. كل همسة منها تقضي على قلق ساعات.. نظرتها تذيبني وتعيد تكويني ...رغم أن الرياح أفسدت الصورة في مخيلتي ... فأنا أشبه القناة الوطنية الأرضية أفقد البث مع الرياح، إلا أن حبيبتي ثبتتها إنه بث خاص متميز لا يضاهيه في الجودة بث ضممت يدها وأغمضت عيني وسافرت بعيدا .. كنا عصفورين لغتهما الهمس وجوهما الحب ... نسينا أنفسنا .. رحل كل من في الحافلة .. كانت الحافلة تسير لوحدها، مضت دقائق .. توقف همسنا وغصنا في أحلام اليقظة لم نكن نحرك ساكنا ... أغمضنا أعيننا وقلّ تواتر تنفسنا .. لم يكن عندي شك أن حبيبتي كانت تفكر وتحلم بي وأنا أيضا ...
في لحظة بين اليقظة والنوم شعرت بأنفاس وتنهد قريب مني يا إلاهي إنه الكرسي الذي أجلس عليه ... يتنهد بعمق وفي أنفاسه حزن،.. شعرت بذلك الحزن إنه يتألم، أردت أن أكلمه .. فقد تعودت مخاطبة الجمادات .. وكذلك الحيوانات ..رفض الإجابة .. رفض وظلت أنفاسه تدغدغ عنقي وتستثير فضولي ...
حاولت استفزازه بالكلام ... نعته بالقبيح فهمهم مبتسما .. قلت له سأساعدك فضحك... وعدته بأن أروي حكايته فبكى .. حينها غادرت إلى دنيا الأحلام غفوت وغبت عن هذا الوجود .. رأيتني في مكان كالصحراء ولكنه بدون رمال أقف أمام الحافلة التي نركبها .. كانت جميلة جدا .. تبدو جديدة تماما .. كلمتها فردت .. إنها تجيبني عن أسئلتي :
ـ أين أنا ؟!
ـ أنت في عالم ذكرياتي ..
ـ أنا أحلم إذن ؟
ـ نعم أنت تحلم .. لكنه ليس  حلما عاديا ... فشعورك اتجاه الأشياء ومخاطبتك للجمادات أكسباك قدرة على الغوص في هذا العالم المجهول ..
ـ كيف وصلت؟
ـ أنا أوصلتك .. أحسست أنك تشعر بما يعانيه الكرسي رقم 12 .. الكرسي الذي تجلس عليه وذهلت من كلامك معه .. رفض أن يكلمك . مسكين هو وباقي الكراسي .. فقد عانوا معي الكثير
ـ يبدو أني محظوظ . لأني أستطيع التكلم معكم ..
ـ أجل أنت كذلك وقلة من يملكون هذه القدرة .. لكن أنصحك لا تخبر أحدا .. سيعتبرونك مجنونا ..
ـ أعرف . لا تقلقي البشر جميعهم يؤمنون بالحواس الملموسة والقابلة للملاحظة والقوانين المنطقية ..
ـ والآن ماذا تريد أن تعرف
ـ كل شيء .. قصتك بالكامل .. ولكن قبل ذلك أرجوكِ أريد أن أطلب منك طلبا
ـ أعرف .. أنت تريدها معك هنا .. تريدها أن تشاركك أحلامك أيضا
ـ نعم أريدها .. لتصدقني .. كنت دوما أخبرها أني أكلم الجمادات والحيوانات فتضحك مني وأحيانا كانت تغضب خوفا منها عليّ من الجنون ..
لك ذلك يا صاحبي .. سأحضرها لك لتسمع وترى
وفجأة ظهرت حبيبتي  من قبس من نور .. كانت ترتدي أحلى الفساتين .. كالوردة العطرة .. ابتسمت فتدفق من فيها ضياء جعل محيط الحافلة يضاء في تلك الصحراء...
ـ اعجبك ذلك
ـ إنها هي رائعة ..
لمستها واقتربت منها لأضمها .. نظرت لي بغضب جميل كعادتها .. وصفعتني كما كانت تفعل في اليقظة .. فالتفت للحافلة وقلت : عرفت .. إنها هي حقيقة .. فلن يصفعني غيرها ..
ثم أمسكت يدي وقالت : دعك من هذا ولنسمع سوية ما ترويه لنا صديقتنا الحافلة .. فإني أشاركك الحلم الآن .
ـ ماذا تريد أن تسمع مني .
ـ أريد أن تروي لي حكايتك وحكاية من ركبوك منذ بدأت الخدمة حتى الآن .
ضحكت الحافلة وقالت :
لا يمكن فلن يستوعب دماغك كل حكاياتي أأروي لك المليون كيلومتر التي قطعتها أم أروي لك حكايات المدن والقرى التي دخلتها ... أم عدد المواقف ومراكز التصليح التي وقفت بها أم عدد مالكي من قطاع عام إلى خوصصة ... أم عدد السائقين الذين جلسوا خلف مقودي، أم حكايا الركاب الستين الذين أقلهم منذ عشرين سنة .. إنها حكايات كثيرة لا تنفذ ولو حكيتها لك فإني لن أفرغ منها حتى تصبح شيخا .. لهذا سأروي لك بعض من حكاياتي.
ـ قد يكون معك حق .. مشوارك طويل جدا .. اسمعي عندي فكرة    
ـ قل يا صاحب الأفكار.
ضغطت حبيبتي فجأة على يدي وهمست لي : ما بالها هذه الحافلة تكلمك لوحدك .. ثم إنها تغازلك .. هيا دعنا نعد من حيث جئنا ..
أرجوك أوقفي جموح جنونك الآن .. لا تفوتي علينا هذه الفرصة ..
كنت أعرف أنها تمزح ولكن الفكرة أرعبتني ..
واصلت كلامي مخاطبا الحافلة : اسمعي . سأحدد لكِ ما ستروينه  لنا .. مارأيك؟
ـ وماذا تريد ؟؟
ـ أريد أن تروي لي حكاية لأشخاص الذين صعدوا بك أو بعضهم على الأقل ..
ـ هذا مستحيل عددهم كبير جدا ..
ـ لا أريد أن أعرف حكايتهم جميعا .. فقط حكاية بعضهم .. وبالضبط من جلسوا في الكرسي رقم 12
ـ فهمتك .. تريد أن تسائل الكرسي رقم 12 بشكل غير مباشر عن همه الذي جاء  من هم من جلسوا عليه..
-      نعم أريد ذلك بالضبط  

  إنه أكثر الكراسي وجعا فقد عانى الأمرين...
 

google-playkhamsatmostaqltradent