U3F1ZWV6ZTg5MDAyODEyNDFfQWN0aXZhdGlvbjEwMDgyNzkwOTY3NA==
recent
أبحرْ معنا

سينارسو حكاية حجر - تقديم د. جميلة مصطفى الزقاي

سيناريو حكاية حجر - تقديم د. جميلة مصطفى الزقاي

Stone story







   رافق فن السيناريو صناعة الصورة السينمائية؛ وإذا كان المسرح يكتب بالخشبة ولها، فإن السيناريو يكتب بعين القميرة وفكر وإحساس السيناريست الذي يعمل مخياله وحمولته المقروئية في نسيج الحكاية التي يريدها مسرحا لنصه، الذي تتشكل وحدته الأساسية من المشهد أو اللقطة أو اللقطة المشهد. هذا الفن الذي شاع استعماله في الألسن من فرط استئناسهم به من خلال جينيريك الفيلم، بل استعمل حتى في مجال السياسة(سيناريو الحرب). وهناك من يسميه نص الشاشة ويقابله  في الانجليزية Screen Play، وناهيك عما شاع استعماله بالسينما الأمريكية script  التي تعني أيضا فن السيناريو، وإن كان هذا الاصطلاح يقتصر على نصوص تلك الفنون المرئية والمصورة بواسطة الكاميرا.
   وأيّاً تكن التسمية، فإن السيناريو عبارة عن كانفا يخط فيها سير أحداث العمل الدرامي المصور ليصير سلسبيل صور يشاهدها المتفرّج في الشاشة ويتفاعل معها، كما أنه عبارة عن خطة  مرئية للأحداث التي ينبغي أن تتصاعد لتخدم الحدث، ويجمع شتاتها بواسطة حُبكة محكمة ... 
   ومهمة السيناريست تكمن في قدرته على التعبير بالصورة، ولصالح الصورة، ويعني ذلك وفق ما أشار إليه الصديق الذي خبر هذه الكتابة ونظَّر لها الأستاذ الدكتور أشرف توفيق من مصر إذ يقول" إنه مطالب أن يقوم بتخليق أحداث ومواقف وسلوكيات يضع فيها شخصيات فيلمه أو مسلسله، حتى يتسنى للمتفرج حينما يشاهدها بعد ذلك أن يصدّق ما يرى وأن يفهمه بالضرورة". كما ينبغي أن تكون للسيناريست معرفة موسوعية شاملة وملمة بالادب والسياسة والفلسفة والموسيقى وكل ما يحسن أن يتزوّد به، وينبغي أن يقدم في النهاية قصة متكاملة المفاصل في تناغم كلي بين الأحداث.
   إذا تعلق الأمر بمضمون السيناريو؛ فهو عبارة عن وصف منظم ومتصاعد ومتسلسل الأحداث الدرامية من أول العمل إلى نهايته؛ ويعنى بوصف ملامح الشخصيات وصفا دقيقا من حيث الشكل والعمر واللباس والعلامات المميزة إن وجدت. هذا بالإضافة إلى الانفعالات والمشاعر التي تنتاب كل شخصية من شخوص العمل من حيث أقوالها وأفعالها. بله عن وصف محكم للأماكن والفضاءات التي تدور فيها أحداث قصة الفيلم عبر مشاهد تشكل حلقات سلسلة واحدة قد يتخللها الفصل والقطع وغيرها، دون إغفال وصف الأثاث وسمات الديكور ومكونات الحي وساكنيه ومدى تأثير البيئة فيهم وتفاعلهم معها. 
   كما أن المشهد تشحن فيه حوارات الشخصيات فيما بينها، مراعيا كيف تنطلق تلك الحوارات مع رصد حالاتهم النفسية والانفعالية، مبررا بأحداث مقنعة أسباب تلك الحالات المطردة، حتى يتسنى للممثل تأدية الدور، والمتفرج فهم تلك الحالات والتصرفات، علما أن الممثل ليس محاكيا بباغائيا لأنه قد يضاعف وتيرة الانفعالات أو ينقصها.
   ولا يخلو سيناريو من المؤثرات الصوتية والموسيقية التي ترافق الأحداث وتواتيها، فتصبغ المتفرج بلونها وإيقاعها، لأن السينما ليس صورة فحسب وإنما هي صوت كذلك. تلك الموسيقى التي تعكس ثقافة الشخوص وبيئتهم ... فيا ترى إلى أي مدى نجح الباحث والمبدع الشاب الدكتور حمزة قريرة فيما قدمه من "سيناريو فيلم حكاية حجر"، وما الطريقة التي تبناها في كتابة السيناريو؟ 
قبل الإجابة عن هذه الأسئلة المفتاحية في مقاربة هذا العمل الذي يجمع بين القصة وصناعة صورتها سينمائيا، يجدر بنا أن نقف عند سيرته التي تشرف شباب جنوبنا المبدعين والمناضلين من أجل أن يضيئوا دياجير تلك العتمة التي ضُربت عليهم فأرخت سدولها، وما فلحت بفضل مواهبهم المتقدة ومقاومتهم للتهميش وحضورهم الوازن في الحركة الإبداعية الجزائرية. 
   الدكتور حمزة قريرة؛ صال وجال برحاب الأدب فاستنطق السرد تحليلا ونقدا، فكان له من المقالات النقدية الكثير، وما مرّ على المسرح مرور القارئ السطحي، وإنما تبصر بثنائيته الاستثنائية بين النص والعرض باعتباره فن المفارقة، وأبى أن يتركه نصا جامدا، فدعا القارئ ليشاركه الإبداع في الفضاء الأزرق متحديا إياه إن كانت لديه القدرة على التفاعل مع مضمون النص، ويلوي بذلك ذراع المخرج ليصبح القارئ الثالث للنص، بعدما افتك منه منزلته الثانية، وهو يلزمه بالانتظار كي يكتمل النص وفق رؤى مطردة تفاعلت مع المضمون الأول الذي اقترحه المبدع حمزة قريرة، ليصير من رواد الأدب التفاعلي، وقد عمّم سمة التفاعل على باقي الأجناس الأدبية شعرا وقصة ورواية. أتراه يفتح باب هذا الفن رفيق الصورة وصنوها ليصير بدوره نصا سينمائيا تفاعليا؟؟؟ هو رهان ليس بالمستحيل عند هذا المبدع الشاب، لا جرم لن يحرم القارئ الافتراضي من هذه المتعة ليمتلك المران والدربة، ويسهم في صناعة القصة السينمائية، لكن سقف الرهان هذه المرة مرتفع جدا في ظل ما يعرفه النص السيناري من أشكال وأنواع وطرق تختلف من أهل صنعة إلى آخرين شرقا وغربا. 
    سيناريو "حكاية حجر" من عتبة هذا النص السيناري، يستفزك مشعلا أفق الانتظار لديك من حيث فكرته التي تتمحور حول ساكن المقبرة الذي يدخل في غيبوبة بعد تعاطيه لسيجارة مخدرات، فيُخيل إليه أنه تحول إلى حجر، يخوض مغامرة بالمعمورة إلى أن يتحول إلى غبار. فيفتح لنا الكاتب باب التأويل على مصراعيه بمجرد تدبر البنى المشكلة لفكرة الفيلم، وما يتوقف الانتظار حتى بعد قراءة الملخص، وهذا يحسب للكاتب الذي عرف كيف يضرم أفق التلقي... لذلك أضحت الطريقة التي تبناها في كتابة السيناريو ثانوية، مع العلم أن هناك شكلين من أشكال السيناريو؛ يسمى الأول، سيناريو العمود الواحد المشهور بالأمريكي. والشكل الثاني ويسمى ذو العمودين المشهور بالفرنسي، وهو الذي يتبع بمصر والبلدان العربية وأغلب أوربا. لكن هذا الشكل الأخير أدخل عليه بعض كتاب السيناريو ثلة من التعديلات فصار إلى التقطيع الإخراجي أقرب، وهو للتنفيذ كي يصبح مسلسلا أو فيلما أيسر... 
   وإذا تعلق الأمر بالشكل الذي تبناه حمزة قريرة فهو إلى الشكل الأمريكي أقرب، إذ قدم القصة بعمود واحد وبطريقة أفقية؛ احتفى فيها بتسلسل الأحداث عبر مشاهد محبوكة فصارت إلى السرد أكثر دنوا، ولعل ذلك يعود إلى كتابته للرواية وخوضه اللعبة السردية التي تسري كالمياه المتدفقة في انسيابية وتناغم.
   لكنه لم يغفل صنو الحوار الملفوظ ألا وهو الإيقاع المسموع ممثلا في الموسيقى التي صاحبت الأحداث إلى جانب المؤثرات الصوتية، مستعينا بوسيلة من وسائل الانتقال في المونتاج ألا وهي القطع التي أسعفته في الفصل بين المشاهد. مع أن الجزء الثاني من النص تخف فيه وتيرة السرد وتصبح قنوات الحوار أوفر حظا، وإيقاع القصة أكثر خفة وتوثبا، وقد يعود ذلك لطبيعة فكرة النص وموضوعه.
   وهذا ما جعلني لدى اطلاعي الأول على النص السيناري أدبر وأتردد في قراءته لأنني ببساطة تعودت على الشكل الفرنسي في كتابة السيناريو؛ أي ذي العمودين والأقرب إلى التقطيع السينمائي خلال تكويني بقسم الفنون الدرامية في جامعة وهران بمشروع الماجستير "الإبداع وكتابة السيناريو" بإشراف أستاذي الجليل الموسوعي سليمان عشراتي، وقد خرجت من ذلك التكوين الرصين بكتاب "الابداع السينمائي للطفل في الجزائر، دراسة تحليلية" حين وطدت فصله التطبيقي بسيناريو موجه لشريحة الأطفال، بعدما ألفيت مجال بكرا وشحيحا مثلما هو الشأن بالنسبة لأدب الطفل ومسرحه...
  ومما يلاحظ على شكل السيناريو الذي جاد به حمزة قريرة أنه مكتوب بلغة بسيطة لا تحتفي بالتعبيرات الأدبية الرنانة، وقد تمردت على الزركشة اللفظية، وتوأمة بين الواقع والخيال، لكنهما مبطنان برموز وظلال ملغمة. وهذا ما يؤكد قول القائل عن النص السيناري أنه عمل أدبي/ فني، لكنه ناقص، ليس له قيمة في حدّ ذاته. ضف إلى ذلك، أنه لم يكتب للقراءة واللذة النصية مثل الأجناس الأدبية الرواية والقصة والمسرحية، بل يكتب ليتم تصويره، وتجسيده على الشاشة التي غالبا ما لا تلتزم التزاما حرفيا بما تنسجه أنامل السيناريست، لأن سطوة المخرج تصبح أكثر شدة وهيمنة.
   ومع أن كتابة السيناريو عملية إبداعية ليست بالسهلة، إلا أن الكاتب حاول الإلمام بأغلب أبجدياتها، تاركا مسافة كافية بينه وبين المخرج إذ لم يعمد إلى استعمال بعض الشفرات والعلامات الإخراجية الإرشادية، لأن هذا النص السيناري في الحقيقة وجهه مبدعه إلى القارئ، وليس إلى المخرج أو المساعد المخرج الذي يعمل بمعية فرقته على تحويله إلى مشاهد مرئية تأخذ بلب متفرجها، وطالما قدم نصه إلى القارئ، فإنه لم يعر مستويات الكاميرا اهتماما، مؤثرا ترك الحرية التامة للمخرج.
  لعل السبب الذي جعل الكاتب يبتعد عن كل ما من شأنه أن يضيء طريق تلك الأيدي المبدعة الخلاقة الصانعة للصورة التي ستتولى عملية تنفيذ السيناريو فيلما، يعود إلى احتفائه بالقارئ المدلل والمبجل لديه إلى درجة أنه يفسح المجال أمامه، ليشاركه العملية الإبداعية بأريحية وطواعية، يريده أن ينتقل معه عبر أروقة حديقته الإبداعية الغناء؛ وهاهو يزيد من دلاله بعدم إزعاجه بتلك الشفرات التي لا تعنيه، مدركا تمام الإدراك أنه إذا كان النص الأدبي بأجناسه (قصة ورواية ومسرحية) يعد وسيطا إبداعيا له جمالياته اللغوية والدلالية والأسلوبية، فإن لغة النص السيناري الذي سيتحول إلى فيلم سينمائي يختلف عنها إذ يقدم مجزوءا عبر مشاهد ولقطات تمر بمراحل التصوير والإخراج والمونتاج معتمدا على حركة الكاميرا وأنواع العدسات وأداء الممثلين ومصاحبة المؤثرات السمعية لها من أصوات وموسيقى... وما المخرج لهذا النص السيناري الذي جادت به أنامل هذا المبدع المائز إلا قارئ عمدة أراد له التبختر والدلال بمفاصل نصه الابداعي ليحوله عبر الكاميرا إلى نص مشاهد... 
  صفوة القول في الأخير إن المبدع المتألق الدكتور حمزة قريرة خليق بخوض هذه التجربة الإبداعية، وكأنه بتجاسره على النص السيناري السينمائي عقد العزم بقرارة نفسه على عقد الوفاق بين الجنس الروائي العابر للأجناس والسيناريو الذي تمرد على بعض أعرافه، مقربا إياه من القارئ ... وأملي أن يرى هذا السيناريو النور بولوجه عوالم الشاشة الكبيرة على يد مخرج حالم له القدرة على صنع السحر والجمال المأمول...

       أ. د.جميلة مصطفى الزقاي



الاسمبريد إلكترونيرسالة